المنتدى المتواجدون الآن مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة
العودة   قلعة طرابلس > منتدى إقرأ أونلاين > اقرأ أون لاين لأشهر أدباء العرب والعالم > تامر إبراهيم > قصص وروايات
التسجيل التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويمالمسابقات اجعل كافة الأقسام مقروءة



إنشاء موضوع جديد إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 24-06-2012م, 10:26 AM   #1
 
الصورة الرمزية بريق
 

بريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond repute

بريق غير متواجد حالياً

1 (40) الليلة التاسعة .. قصة لد.تامر ابراهيم ..

الليلة التاسعة
بقلم : د . تامر إبراهيم


من الماضي السحيق
صفحات غابرة من القرن الثامن عشر


الممر الحجري الكئيب.. المضاء بالمشاعل ذات اللهب المتراقص، ملقياً بتلك الظلال المتراقصة الرهيبة.. رقصة النار المجنونة الخالدة..
الوزير بحركته التي تكسبه وقارا، يليق بوزير الملك "جورج الثاني" يقطع الممر بخطوات سريعة، تعكس توتره البادي في ملامحه..
قطع الممر، ليستقبله الحارسان بتحية صاخبة، تجاهلها وهو يدلف إلى تلك القاعة الضخمة المضاءة بعشرات المشاعل، مانحة إياها هيبة واضحة، أضيفت إلى هيبة طبيعة المكان ذاته..
بلاط الملك "جورج الثاني" نفسه....!
وعلى عرشه استوى الملك "جورج"، وقد أخذت عيناه الباردتان القاسيتان، قسوة ملك مملكة لا تغيب عنها الشمس، تتابعان الوزير الذي امتثل أمامه لينحني باحترام بالغ قائلا بصوته الذي لم تؤثر في قوته السنون:
- مولاي..
دوي الصوت الجهوري، صوت الملك يقول :
- ماذا عندك يا وزيري ؟
فرد الوزير قامته، وقال متحاشياً النظر في عيني الملك:
-لقد استفحل الأمر يا مولاي... استفحل وأخشى أن تأتي اللحظة، التي يخرج فيها من أيدينا..
-أمر ماذا ؟؟
-أمر ذلك البيت يا مولاي.. البيت المسكون!!
خرج صوت الملك "جورج" حاملاً برودًا يكاد يطفئ لهيب كل المشاعل في القاعة :
-ماذا عنه أيها الوزير...؟


تسللت العصيبة إلى صوت الوزير رغما عنه، وهو يجيب:
-لقد فاقت سمعة هذا البيت الحدود... والناس يخشونه كالموت ذاته ولا أحد أصبح يجرؤ على الدنو منه.. إنهم يطالبون بهدمه...
-يطالبون بهدمه لأنهم يخشونه...؟ لماذا لا نقتل الوزراء أيضا ماداموا يخشونهم هم أيضا..؟!
أسقط في يد الوزير وقد منحه ملكه واحدة من ردوده الباترة الشهيرة.. لكنه لم يتمالك نفسه، من أن يقول بتخاذل :
-ولكن ....
-ولكن ماذا ..؟!
انحنى الوزير باحترام قائلا :
كما تشاء يا مولاي...
والتفت مغادراً القاعة الملكية تاركاً الملك..
وانتظر الملك حتى غادر، ثم قام من على عرشه، ليذهب إلى ممر آخر خلف العرش أضاءته المشاعل، متجها إلى غرفة الملكة "كارولين"...
وعلى باب الغرفة، هبت الوصيفات، ليستقبلن الملك بمزيج من الرهبة والخوف، ليقول هو بصرامة:
-هل الملكة مستيقظة؟
أجابته إحدى الوصيفات على الفور:
-نعم يا مولاي ...
ودون أن يرد عليها دخل إلى غرفة الملكة، التي رقدت في فراشها شاحبة، وأمارات الإعياء تطل من وجهها ومن سعالها المتقطع ...


وبصرامة خلت تماما من الإشفاق سألها :
-أما زلت ترفضين التحدث...
أدارت "كارولين" له عينين متثاقلتين بالمرض وخرج صوتها متحشرجاً محملاً بالوهن وهي تجيب:
-لا أملك شيئاً لأجيب به مولاي..
-بل تملكين.. تملكين سر هذا البيت...!
قالها بلهجة صارمة مخيفة، استقبلتها هي بضعف وهي تكرر:
-لا أملك شيئا أجيب به مولاي..
التمع الغضب في عينيي الملك "جورج الثاني" وبدا وكأنه سيصدر أمراً بإعدامها وعلى الفور.. ولكنه تمالك نفسه ليقول بصوته البارد المخيف :
-لقد منحتك أكثر من فرصة يا "كارولين" ويبدو أنك لم تتركي لي الخيار... سيهدم المنزل غداً...
أطلقت الملكة سعلة خفيفة وقالت وهي تغالب فقدان الوعي.. وربما الحياة ذاتها:
-لن يستطيع مولاي....!
ارتجفت شفتا الملك غضباً أمام هذا التحدي السافر، وعكس صوته كل غضبه ومقته وهو يقول:
-سنرى...
وغادر الغرفة بخطوات سريعة قبل أن يفقد أعصابه ويخنقها بيديه...!!
ولم يكد يفعل، حتى نادت الملكة بصوتها الواهن على إحدى وصيفاتها:
-"مارتا"...
دخلت الوصيفة العجوز على الفور إثر ندائها قائلة :
-أمر مولاتي....
انتزعت الملكة الكلمات من حلقها انتزاعا، وهي تقول:
-ثمة سر يجب أن أفضي إليك به يا "مارتا"....
لست أظنني سأستمر أكثر من هذا.....
خفق قلب الوصيفة العجوز وجلاً، والملكة تتابع:
-يجب أن يحافظ أحدهم على السر...
وزاغت عيناها أكثر فأكثر، إذا أردفت:
-سر البيت الملعون..
واستحال وجل الوصيفة إلى فزع...!!!
* * *
حدث في هذه الليلة .....!!!
وهكذا وجد "يوسف يحيى" نفسه في تلك القاعة...

الرائحة الخانقة الرطبة... وأضواء المشاعل المتراقصة تمزق الظلام إلى ألف ظل.. وضربات قلبه في صدره تنبض بالخوف والهلع...
والفضول...!

ذلك الفضول القاسي العجيب، يجري في عروقه ويدفعه إلى المواصلة..
يجب أن يعرف.. يجب أن يفهم...
ومهما كان الثمن..

ونظر إلى الممر المظلم الذي جاء منه وتساءل..
كيف سيخرج من هنا....؟!؟
لا بأس.. لنترك هذا لوقته.. المهم أن يبقى حياً ليخرج..
وبعينين شاردتين أخذ يرمق القاعة أمامه... خاصة تلك المائدة الخشبية، التي تراصت حولها المقاعد وتناثرت فوقها الشموع.. إنها تناديه.. تطلب منه الجلوس.. وذلك الدفتر العتيق.. يطلب منه أن يفتحه.. أن يقرأه .. فهل يجرؤ ...؟؟


واستجمع شجاعته.. جر قدميه جراً وتقدم.. ثم بلغ المائدة ليجلس على أحد المقاعد.. وبيدين مرتجفتين مد يده إلى الدفتر ليفتحه...
ثم انتبه بغتة إلى شيء... بالغ الأهمية...
يجب أن يدون ما حدث.. يجب... ليترك حقيقة ما حدث في دفتره على أحدهم يجده فيعرف ما حدث....
وهكذا أخرج يوسف دفتره وقلمه وبدأ يكتب:
"ها أنا قد بلغت تلك القاعة المخيفة ولا أعرف حتى كيف سأخرج منها بعد ذلك... ولا كيف سينتهي هذا كله.. ولكني لم أعد أهتم.. إنني على استعداد لبذل حياتي ذاتها مقابل أن أفهم ما حدث لي.. إنها لحظة الحقيقة كما يقولون.. فإما الآن أو لا للأبد...!

على كل حال، لقد كان كل ما مررت به قاسياً بحق ويستحق أن أظفر بتفسير من أجله.. ولئن تخاذلت، لكنت قضيت حياتي كلها، أتساءل عن سر ما حدث..
عن ماذا كان يختبئ خلف تلك الأحداث الرهيبة..
لهذا إن لم أخرج من هنا، أرجو أن يجد أحدهم هذا الدفتر ليفهم ويعرف..
لقد سجلت فيه كل ما حدث ومنذ الليلة الأولى و... مهلاً...
ثمة صوت ما ...!!!

صوت خطوات قادمة من الممر المظلم الذي أتيت أنا منه ....!!!
نعم لست أهذي.. إنها خطوات... وخطوات أكثر من شخص..أيضاً...!!!
أشعر بالخوف ولا أملك أن أذكر هذا.. ترى هل رأى أحدهم المشهد في الأعلى وجاء ليستقصي.. ربما.. لقد اقتربت الخطوات على كل حال...
يا إلهي... لا يمكن أن يكون ما أراه حقيقة.. إنه مستحيل... مستحيل!!!!
* * *

ولكن.. أعتقد أنه يجب أولا أن نعرف الأحداث منذ البداية منذ الليلة الأولى ....

آخر مواضيعي

 
التوقيع:

  رد مع اقتباس
قديم 24-06-2012م, 10:39 AM   #2
 
الصورة الرمزية بريق
 

بريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond repute

بريق غير متواجد حالياً

افتراضي

الليلة الأولى
منذ بدأ كل شيء...!!

فرك ذلك العجوز، ذو الذقن النامية، والجلباب القذر كفيه وقال:

-هه. هل أعجبتك؟!
ألقى "يوسف" نظرة على الغرفة الضيقة، بعدم رضا واضح إلا أنه قال:
-لا بأس.
-لقد قلت إنك تريد مكاناً هادئاً. أليس كذلك؟!
-نعم. قلت...
عاد العجوز يفرك كفيه قائلا:
-إنك لن تجد مكاناً أكثر هدوءًا من هنا. كما أن الإيجار مناسب و..
قاطعه "يوسف" بنفاد صبر:
أعرف.. أعرف. هاك.
- وناوله بضعة أوراق مالية تلقفها العجوز بلهفة هاتفاً:
شكرا يا سيدي. سأتركك لترتاح.

وغادر الغرفة على الفور تاركاً "يوسف" بحقيبته على الفراش المتهالك، مجيلاً بنظره في أثاث الغرفة المتواضع، المتكون من منضدة خشبية ومقعدين، لا يصلح أحدهما للجلوس.!


ثم فتح باب الشباك ليلقي نظرة على المنطقة المحيطة. حقاً. لقد صدق العجوز. لا توجد منطقة أكثر هدوءاً من هنا... من المقابر..

وأمام المشهد الكئيب المطل من النافذة أخذ "يوسف" يفكر.

ها هو قد ظفر بالمكان الهادئ الذي ينشده ليبدأ في كتابة الرواية التي يحلم بها. تلك الرواية التي يعقد عليها أمله في النجاح ككاتب..

صحيح أن إمكاناته المادية لن تسمح له بإيجار هذه الغرفة أكثر من شهر، ولكن لا بأس..
ربما بحث عن عمل ليدر عليه دخلاً مؤقتاً حتى ينتهي من كتابة الرواية. ولكن الآن ما عليه سوى أن يفرغ تفكيره للكتابة. للكتابة فحسب...

سينام الآن ويستيقظ مساءً ليبدأ طقوس كتابته المعتادة. وجبة خفيفة وقدح من "الكاكاو" الساخن. ورزمة من الأوراق البيضاء تنتظر أن تمتلئ بالحبر.

وصامتاً بدّل ملابسه بأخرى للنوم. مدد جسده على الفراش المتهالك. أغلق المصباح الوحيد في الغرفة..
ونام..

وعندما دقت الساعة العاشرة مساءً استيقظ ليبدأ في ممارسة طقوسه..


اغتسل، ثم أكل طعاماًً معلباً، ثم جلس على المقعد الخشبي أمام رزمة الأوراق على المنضدة، والأبخرة تتراقص على سطح كوب "الكاكاو"..
أمسك قلمه وبدأ يعتصر في أفكاره..

مرت نصف ساعة. ساعة.. ساعتين. بعدها أدرك أنه لا يملك ما يكتبه!!
خواء فكري تام...!!

وبسخط ألقى بقلمه، ليحدق بعينين شاردتين في قدح "الكاكاو" الذي برد منذ زمن...
عن ماذا يكتب..؟؟ إنه لا يعرف..!!

إنه ذلك الشعور السقيم بأنك كنت تملك الفكرة. فكرة تتقافز داخل جمجمتك وكأنما ترجوك أن تكتبها. أن تمنحها الخلود على الورق. ولكن ما إن تقترب منها.. ما إن تحاول أن تقبض عليها بأصابعك. حتى تكتشف أنك كمن يحاول أن يمسك بخيط من الدخان..
لقد تبددت الفكرة من رأسه كما يتبدد خيط الدخان..!

وشاعرا بالحنق قام من على مقعده وخرج من الغرفة مزمعاً التجول قليلاً بين المقابر عله يجد فكرة يبدأ بها.

استقبله نسيم الليل البارد، ليثير بين أوصاله تلك الرجفة الأولية، ثم استنشق نفساً عميقاً، ملأ به صدره وأخذ يتجول بين شواهد القبور الرمادية، وبرهبة غمغم لنفسه:
-إنه مكان موحش حقاً.!!
وتغلبت غريزة الاستكشاف في أعماقه على كل هذا، فأخذ يجول بين الشواهد الباردة وكأنما يبحث عن فكرة بينهم، بينما ذلك الشعور المعتاد بالرهبة من الموت والمقابر، يجد طريقه داخله كأي بشري آخر.!

إنه ذلك الخاطر الرهيب المرير، بأن تلك الحجارة تحوي أسفلها رفات العشرات. عشرات كانوا يحيون ويفكرون ويحلمون ويحبون، ثم انتهى بهم الأمر إلى التراب.. وسيأتي دوره ليلحق بهم آجلا أو عاجلاً..!
"مهلاً. ما هذا..؟!!
انقطع حبل أفكاره وهو يحدق فيما قادته إليه قدماه بعجب بالغ، مغمغما بالعبارة السابقة، بلهجة تفوح بالدهشة والاستغراب..!!

فأمام عينيه تراصت ستة قبور، في دائرة كاملة، بعدت بضعة أمتار عن باقي القبور وقد أحاطت بها دائرة من النباتات التي زحفت على شواهد القبور مطوقة إياها بسياج أخضر داكن منح المشهد هيبة عجيبة وكأنها لوحة كابوسية عن الموت..!!
وأمام هذا المشهد وقف "يوسف" برهة مزهو لا يقدر أن يملك السيطرة على قدميه مجدداً ليبدأ في الدوران حول القبور، باحثاً عن ثغرة وسط سياج الأعشاب لينفذ منها إلى مركز الدائرة..

"أنت هنااااك"؟!!!


انبعثت الصيحة من الظلام لتطيح بأعصابه ولتجعله يلتفت كالملدوغ إلى مصدر الصيحة. اصطدمت عيناه بالعينين اللتين التمعتا في الظلام، ثم تبدت ملامح الوجه المتعطن ذي الشعيرات البيضاء النامية من خلفهما:
وكرر:
-أنت. ماذا تفعل هنا؟!!
انتزع "يوسف" الكلمة من خلفه ليلقيها:
-أنا أسكن هنا.
-أنت الساكن الجديد إذن؟!
-نعم....
تحركت التجاعيد على جانبي وجهه لترسم ابتسامة ودودة وقال:
-مرحباً..
وكانما أذابت ابتسامة العجوز خوفه، هدأت نفس "يوسف" وأجاب:
-أشكرك.
هل لي أن أسألك من أنت؟!!
-حارس هذا المكان..
هز" يوسف" رأسه متفهما وأشار إلى نافذة غرفته المضيئة:
-هذه غرفتي.. انتقلت اليوم...
جلس العجوز على إحدى الصخور الضخمة، وأخرج من جيبه لفافة تبغ مكتظة، أشعلها قائلاً:
-ولم تجد مكانا أفضل من هنا يا ولدي؟!
ابتسم يوسف مجيباً:
-لقد كنت أزمع الوحدة والهدوء....
بادلة العجوز الابتسامة، قائلاً:
-ستحصل عليهما هنا بالتأكيد:
عاد "يوسف" يهز رأسه متفهماً، قبل أن يسأله بغتة:
-منذ متى وأنت هنا..؟
سعل العجوز لافظاً المزيد من الدخان، ثم أجاب:
-لست أذكر بالضبط. عندما تبلغ عمري لن يشكل هذا فارقاً.
ومال إلى الأمام قليلاً، متسائلاً بتخابث:
-لماذا..؟!
-كنت أتساءل عن هذه القبور الستة. لست أدري. لكن ألا تبدو لك غريبة نوعا ما.؟
نفث العجوز دفقة أخيرة من الدخان، قبل أن يلقي باللفافة أرضا متسائلاً:
-أي قبور ستة..؟! المكان مكتظ بالقبور.
أشار يوسف إلى ما خلف ظهره قائلاً...
-تلك التي تشكل دائرة.
منحه العجوز نظرة طويلة متفحصة، ثم قال:
-لست أدري عن ماذا تتحدث يا بني. فلا توجد أمامي قبور ستة أو دائرة..

عقد يوسف حاجبيه باستغراب، قائلاً:

-ماذا...؟!!
والتفت بجذعه مشيراً إلى.. إلى.. أين ذهبت القبور..؟!!!!
تسمر إصبعه المشير إلى الأرض الجرداء الخالية تماماً وهتف بذهول:
-لقد كانت هناك..
وهب واقفاً، غير مصدقاً لما أمامه، مردداً:
-أقسم أنها كانت هناك...
ربت العجوز على كتفه قائلاً من بين سعاله:
-يبدو أنك لم تنم جيداً يا بني. سأتركك الآن، فالوقت تأخر على عجوز مثلي..

ثم تركه وسط ذهوله..

لكن كيف..؟!.. القبور كانت هناك..!! هو رآها بأم عينيه..؟!!
لا....لا... لابد أنه يهذي. القبور لا تختفي فجأة. كل هذا كان هذياناً و......
إنه ليس هذياناً. إنها الفكرة..

لقد خرج ليبحث عن فكرة، وها هي تتقافز أمامه.. وهذه المرة أمسك بخيط الدخان وما عليه إلا أن ينسج به قصته..
قصة رعب على ما يبدو...
كل ما عليه الآن هو العودة. إعداد قدح "كاكاو" آخر ثم السباحة بين الأوراق..
وبخطوات سريعة، اجتاز القبور عائداً إلى غرفته، ليدخلها بلهفة قبل أن يقف هاتفاً بسخط:
-اللعنة.
لقد نسي النافذة مفتوحة، فأطار الهواء أوراقه في أنحاء الغرفة.

وبضيق بالغ أغلق النافذة، ثم انحنى ليجمع الأوراق ولكنه توقف بغتة ليحدق في إحدى الأوراق التي كتب عليها بضعة سطور باللغة الإنجليزية..
مهلاً. إنه لم يكتب شيئاً قبل أن يترك الغرفة. فمن كتبها إذن؟!!!

وبحذر مد يده ليلتقط الورقة ثم أخذ يقرأ ما فيها ببطء....

ثم ترك الورقة تسقط من يده ذاهلاً..!! هذه المرة إنه لا يهذي.. بالتأكيد لا يهذي..!
لقد خالفت القوانين. عليك أن تعلن نفسك عضوا ميتاً في الليلة التاسعة.
هذا ما كان مكتوبا في الورقة....!!

آخر مواضيعي

 
  رد مع اقتباس
قديم 24-06-2012م, 10:42 AM   #3
 
الصورة الرمزية بريق
 

بريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond repute

بريق غير متواجد حالياً

افتراضي

الليلة الثانية
أحداث أخرى....

في اليوم التالي استيقظ، جلس على فراشه، ثم أشعل سيجارة من العلبة التي ابتاعها ليلة أمس... وأخذ يحدق في الورقة...

لقد خالفت القوانين.. عليك أن تعلن نفسك عضوا ميتاً في الليلة التاسعة..

الحروف الإنجليزية العتيقة بأطراف مثنية، مائلة، والتي تبدو كأنما رسمت لا كتبت...
والآن.. من رسمها في غيابه؟! وما الذي يعنيه بالضبط....؟!!

استنشق المزيد من الدخان في صدره، وواصل... هل هي مزحة...؟! لا... لا تبدو كذلك... أو على الأقل، الأمر أسخف من أن يكون مزحة...

وأعجب من أن يكون جدياً...! لهذا فهو يصلح... يصلح لاستخدامه في روايته...

سيكتب قصة عن شاب، يعيش وحيداً في المقابر، ليكتب رواية، فيصطدم بالقبور الستة، وتلك الرسالة المجهولة....
سيكتب ما يحدث له...

وإذ عادت فورة الحماس تجتاح عروقه، هب من على فراشه، والتقط أوراقه وقلمه وبدأ يكتب.. ويكتب... ويكتب...!

وبعد أربع ساعات متواصلة، أمسك الأوراق التي تشبعت بالكلمات، وأخذ يرتعش...
لقد كتب...! أمسك قلمه مجدداً وكتب...!!

الآن عليه أن ينتظر.. فما سيحدث له في عالم الواقع هو ما سيحدث له في عالم الرواية التي يكتبها.. أما الآن، فهو يستحق أن يكافئ نفسه بغذاء شهي، وكوب كبير من الكاكاو.. ثم يكتب هذا ضمن أحداث الرواية...!

أي شيء سيفعله أو يحدث له سيكون ضمن أحداث الرواية...! وابتسم لنفسه مغمغماً:
لأتصرف إذن كما يليق ببطل روايتي أن يتصرف.. ثم أشعل سيجارة أخرى، وخرج من غرفته، ليتنسم الهواء المعبق برائحة شواهد القبور..

ورآها..
كانت هناك.. بالقرب من غرفته، تهم بركوب سيارتها التي اشتركت مع ثوبها في اللون الأسود، وعلى عينيها منظار داكن خفي نضف ملامحها.. وقد تكلفت خصلات شعرها بإخفاء النصف الآخر..

كانت تهم بركوب سيارتها عندما رفعت لرأسها بغتة ونظرت إليه...!!

ثم تقدمت نحوه..!!

أما هو فتسمر في مكانه مأخوذا، حتى أصبحت أمامه مباشرة لتقول بإنجليزية صميمة:
-لقد جاءوا من أجلك..
وقبل أن يستوعب عبارتها، كانت قد عادت إلى سيارتها لتنطلق بها مخلفة عاصفة من الغبار...
وفي ذهنه بدأت أفكار عديدة تتولد...

إنها إنجليزية.. لغتها ذات الوطء الثقيل تقول هذا...
إنها تعرفه.. لقد تحدثت إليه وكأنها تعرفه حق المعرفة...

لقد جاءوا من أجله.. هي قالت هذا...!!
من هي، ومن هم....؟!!!
و... مهلا.. أتراها هي التي كتبت تلك الورقة...؟!!!

"صباح الخير يا أستاذ "يوسف"...

أدار عينين شاردتين إلى مصدر الصوت، ليجد ذلك العجوز، ذا الجلباب القذر، الذي أجر له الغرفة، يفرك كفيه، مبتسماً في لزوجة..

وبشرود امتزج ببعض الضيق، أجابه:
-صباح الخير..

ثم لم يتمالك نفسه أن يسأله:
-من هذه السيدة...؟!!

بدا العجوز وكأنما ينتظر أن يسأله هذا السؤال، إذا انطلق :
-إنها أجنبية.. جاءت هذا الصباح لتشرف على دفن ستة من بلدتها، في قطعة الأرض المجاورة.. ويبدو أنها غنية بحق.. لقد دفعت بسخاء، ووضعت للقبور شواهد رخامية أنيقة.. لم أرَ مثلها من قبل.. بل والأغرب من هذا، لقد وضعت القبور، في شكل دائرة...
دائرة...!!!

رنت الكلمة في أذنه بعنف، جعلته ينتقض بذهول.. ثم اندفع يعدو عبر شواهد القبور، على نحو أدهش العجوز، وجعله يضرب كفاً بكف مغمغماً :
-هل جن، أم ماذا...؟!!

أما هو، فقد أخذ يعدو لاهثا بين شواهد القبور وفي ذهنه فكرة.. بل أمنية واحدة.. ألا يكون ما يظنه حقيقياً ولكنه إذا وصل، كانت الكلمة الوحيدة، التي استطاع أن ينتزعها من بين لهاثه هي:
-مستحيل...!!

فأمامه تراصت القبور الستة في دائرة كاملة، تماماً كما رآها ليلة أمس...!!
لساعات طويلة، لم يستطع "يوسف" سوى أن يدخن...
وفي ذهنه عربدت الأفكار والتساؤلات والخيالات، لتصيبه بصداع تكاد خلايا عقله تذوب معه..
ثمة شيء ما خطأ فيما يحدث.. ما هو بالضبط؟!!

تصاعدت طرقات على باب غرفته، فهتف من مكانه:
من....؟!!

أتاه صوت حارس المقابر العجوز، مفعماً بالود:
-إنه أنا يا ولدي....

شعر ببعض الارتياح لمجيئه، فقام يفتح له محاولا رسم ابتسامة ترحيب على شفتيه :
-أهلاً بك يا والدي...

نظر إليه العجوز بعينين لا تطرفان، ثم قال:
-ما بك يا ولدي...؟!

أراد "يوسف" أن يمنحه إجابة باترة، يريحه بها، إلا أنه وجد نفسه يحكي له على كل شيء...

القبور... الورقة... السيدة الأجنبية.. الدائرة... الرواية...
وما أن أتم حتى ابتسم الحارس العجوز قائلاً:
-ولم تشغل ذهنك في هذا...؟! ليكن الأمر ما يكون طالما لا يضرك..

كيف...؟!!
-يا ولدي... الحياة أعقد من أن نقف عند كل مشكلة فيها.. ثم إنك تقول إنك تكتب ما يحدث لك في روايتك.. أي أن الأمر قد عاد عليك بفائدة رغم كل شيء.. أليس كذلك؟؟

أطرق "يوسف" لحظة ثم قال:
-السيدة الأجنبية كانت تحاول إخباري رسالة ما.. رسالة تتعلق بما وجدته في الورقة.. ثمة شيء عليّ فعله كي أفهمه..

أجابه الحارس ببساطة:
-لا بأس.. حتى تتبين لك حقيقة الأمر، واصل حياتك كأن لا شيء هنالك....

ثم نهض ليردف:
دعنا نتمشى قليلاً في الخارج.. سيريح هذا أعصابك...

هز "يوسف" رأسه موافقا، وانطلق معه إلى الخارج، وهو يقلب ما قاله الحارس العجوز له، في رأسه...
لم لا...؟ ليترك الأمر يمضي حتى يفهمه...

ثم إنها أحداث أخرى تضاف إلى روايته...
وعلى شاهد أحد القبور، استقر بهما المقام، فأخرج العجوز سيجارة غليظة من جيبه أشعلها، وقد أخذ يرمق القمر في سكينة...

وبفضول سأله "يوسف":
-لم أعرف اسمك بعد...؟
-اسمي "فهمي محمد"...

وأنا "يوسف يحيى"...

تشرفنا

قالها ولاذ بالصمت مجددا، فرفع "يوسف" عينيه إلى القمر هو الآخر ليسبح في بحر ذكرياته...

تذكر طفولته، وحيداً بلا إخوة.. ثم يتيما بلا أبوين بعد أن مات والده في حادث على الطريق.. تذكر جارته الحسناء، والرسائل المراهقة التي كان يلقيها على نافذتها.. تذكر يوم رحلت مع أسرتها لتزيد وحدته، وحدة.. بعدها لم يبق له سوى القراءة.. والكتابة...

عوالم حالمة يسبح فيها، ليضع بعدها عوالمه هو على الورق.. الكتابة تمنحه سحرا ما بعده سحر...
سحرا يكون المسيطر...

أن يملأ عالمه الوحيد بأبطال قصصه، ثم يسيرهم كما يشاء...

"ما هذا...؟!..


قالها العجوز بغتة وهو ينهض من على شاهد القبر، فحدق "يوسف" فيه لحظة شارداً، ثم انتبه لقوله ليتساءل :
-ما الذي حدث...؟!

-أعتقد أنني رأيت شيئا ما...
ثم اتجه إلى دائرة القبور، وقد بدا عليه الاستغراب، فتتبعه "يوسف" حتى بلغا منتصف دائرة القبور...

وهناك رأى "يوسف" ما جذب انتباه الحارس العجوز.. رأى جثة ذلك الكلب الضخم التي رقدت أمامهما بلا حراك...!

وببطء مال الحارس العجوز على الجثة، ليتحسسها قائلا:
-إنه بارد.. لقد مات منذ زمن....
لم يجبه "يوسف" بحرف... بل أخذ يحدق في جثة الكلب برهة، ثم انتقل بعينيه إلى شواهد القبور من حوله...
ورغماً عنه تسلل إليه شعور عجيب.. شعور بأنه محاصر....!!

أما العجوز فهب واقفاً ببساطة ليقول:
-لأدفنه قبل أن تفوح رائحته.. ساعدني ولا تخف... لن يؤذيك.. فائدة الميت الوحيد، أنه لم يعد قادرا على الإيذاء مجدداً...

ولم يجد "يوسف" لماذا وجد نفسه يجيب:
أرجو هذا...

بل ولم يدر سر تلك القشعريرة الباردة التي كانت تغزو جسده بقسوة....!!
عندما عاد إلى غرفته، بعد منتصف الليل، لم يكن قادراً سوى على النوم

لذا أبدل ملابسه، وأطفأ المصباح.. ثم ألقى بجسده على الفراش...
كل ما كان يريد الظفر به هو النوم العميييق... لكنه لم يظفر به...!!

شيء ما جعله يستيقظ قبيل الفجر... صوت خطوات....!!!

فتح عينيه ببطء مرهق شاعراً أنه لا يزال يحلم.. ورغم الظلام الدامس شعر بوجود شيء ما يتحرك...

وعيه يعود إليه بالتدريج.. الآن يدرك أنه ليس شيئا... إنه شخص...!

عيناه تتكيفان على الظلام.. إنه شخص ما يقف في الظلام أمامه مباشرة...!

يسترد وعيه كلياً.. هذا الشخص يحمل سكيناً، يلتمع نصله في ضوء القمر، بكلتي يديه، ويهم بغرزه في قلبه..

ومدركاً لهذا كله تصلب جسده في رعب مطلق... كانت لحظة من اللحظات التي تعجز فيها غريزة البقاء، عن اتخاذ رد فعل ايجابي..

لكنه على ضوء القمر الشاحب رأى النصل يرتجف في يد صاحبه.. ثم خرج من حامله صوت مألوف.. صوت أنثوي يتحدث بالإنجليزية، وقال بلهجة مرتعشة:
-أنت... أنت.. لقد دمرت حياتي...!

إنها السيدة التي رآها صباحاً.. ويبدو أنها جنت

وبغتة هوت بالسكين فأغمض عينيه، وقد فقد القدرة على التنفس ثم.. المعدن البارد يسقط على صدره، ثم صوت خطوات مسرعة إلى الخارج...

وعندما فتح عينيه.. كانت غشاوة رقيقة من الدموع على عينيه.. دموع الانفعال...

إنه حي... حي.... حي... لم تقتله...!!
تلك الحقيرة..!!!

وإذ تحول انفعاله إلى ثورة هائلة، أمسك بالسكين، وانطلق يعدو إلى الخارج مطلقاً صرخات غضب مجنونة..
لكن صوت السيارة المبتعدة أتاه من بعيد، فوقف يلهث وجسده كله يرتجف...

لقد هربت.. القاتلة المجنونة هربت...
وململماً أشلاء أعصابه، استدار ليعود إلى غرفته وقد فقد قدرته على النوم...

دخل أضاء المصباح و... واتسعت عيناه في ذهول، تحدقان في الهول الذي حدث...
فهذه المرة، كانت الصدمة أكثر قسوة من أن يحتملها....!

آخر مواضيعي

 
  رد مع اقتباس
قديم 24-06-2012م, 10:47 AM   #4
 
الصورة الرمزية بريق
 

بريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond repute

بريق غير متواجد حالياً

افتراضي

الليلة الثالثة
فتّش عن المرأة..

أشعل يوسف سيجارة ثم أخذ ينفث الدخان في سماء الغرفة..

حسنًا.. ليرتب أوراقه.. الساعة الآن الخامسة صباحًا, ولن ينام على كل حال.. لذا لنبدأ, فالموقف كالتالي..
لقد انتقل للإقامة في تلك الغرفة بجوار المقابر ليتفرغ للكتابة, لكن كل شيء حوله اجتمع على منعه من تحقيق مبتغاه..

أولاً رأى تلك القبور الستة قبل أن توضع في مكانها, ثم رآها في اليوم التالي إذ وضعت على شكل دائرة مكتملة..

ثم جاءت تلك الرسالة الإنجليزية التي تطلب منه أن يعلن نفسه عضوًا ميتًا في الليلة التاسعة..

بعد هذا يأتي دور السيدة الإنجليزية التي كادت تقتله في فراشه, وهي تردد بهسيتريا أنه دمر حياتها..!!

وأخيرًا... وأخيرًا كل ما كتبه في تلك الرواية التي استوحاها من الأحداث الدائرة من حوله.. ست أو سبع صفحات, ترقد أمامه الآن ناصعة البياض, كأنما لم يمسسها قلم..!

أما ما كتبه فهو أمامه الآن.. مكتوب على الحائط.. كله على الحائط !!

أحدهم نقل كل ما على الورق إلى الحائط بمعجزة ما.. والأدهى أنه نقله بخطه هو..


بل ولم يكتف بهذا, بل كتب المزيد..فإلى جوار سطوره, تراصت سطور أخرى بالإنجليزية, وبذات الخط المائل المرسوم, الذي كان يقول هذه المرة :
(( و رأى يوسف كلماته وقد خطت على الحائط, فلم ينم ليلتها, بل أخذ يدخن ويفكر.. يفكر في حل لهذا كله.. حل منطقي للامنطقية الدائرة من حوله, وفي اليوم التالي انطلق ليبحث عن السيدة الإنجليزية.. ))
ومطفئًا سيجارته, غمغم (يوسف) ساخرًا :
- رغم أن أسلوبه رديء, إلا أنه يساعدني حقًا في كتابة الرواية..
ومع أول أسهم من أشعة الشمس اخترقت زجاج نافذته, معلنة عن مولد الفجر, ألقى (يوسف) بجسده المكدود على الفراش , مزمعًا النوم..
لكنه كان يرتجف.. وبشدة..

فهو يعرف.. بل يدرك أنه ما إن يستيقظ حتى سينطلق يبحث عنها..

عن السيدة الإنجليزية..
* * *
" تنام كثيرًا يا سيد ( يوسف ).. "
قالها العجوز الذي أجّر له الغرفة, إذ استيقظ عصرًا,
فأجابه بصبر نافذ:
- كنت مستيقظًا طيلة الليل..
- لماذا ؟!
- كنت أفكر في خطة لخنقك..
- ماذا ؟!!
- لا عليك.. أريد أن أسألك عن شيء ما.. عن تلك السيدة الإنجليزية التي جاءت أمس..
فرك العجوز كفيه, ليقول متخابثًا :
- ماذا عنها ؟
- ما اسمها وكيف أجدها ؟!
هرش العجوز رأسه مفكرًا وقال :
- لا أتذكر اسمها بالطبع.. لقد كان اسمًا غريبًا يصعب نطقه, لكني سمعتها تتحدث بعربية ركيكة للغاية عن فندق ما.. لا أتذكره.. آسف.. لكن لماذا تسأل على كل حال ؟
فكّر (يوسف) لحظة في أن يقص عليه أحداث الليلة الماضية, لكنه أحجم عن هذا ليقول :
- حاج (سيد).. أريد أن أحدثك على انفراد..
لم يكن هناك أحد بالجوار, لكن (يوسف) وضع ذراعه على كتف العجوز, وتنحى به جانبًا, ليهمس له في خطورة :
- حاج (سيد).. إنني أراقب هذه السيدة, لكن يجب أن يبقى كل ما سأقوله لك بيننا فحسب..

استبد الخوف بالعجوز, فهتف :

- هل أنت مباحث ؟!!
- نعم.. والآن اخفض صوتك واصغ لي جيدًا.. نحن نعتقد أنه ثمة شيء ما في التوابيت التي دفنتها تلك السيدة.. مخدرات في الواقع, لكن يجب أن يبقى كل ما سأقوله سرًا لا يخرج من أحدنا مهما كان السبب.. ونحن الآن في حاجة لمساعدتك..
- كيف ؟!
- أخبرني كيف أجد هذه السيدة ؟
أجاب العجوز ببساطة :
- عن طريق العربة التي نقلت التوابيت.. لقد كانت مؤجرة من شركة (... )
حدّق (يوسف) في العجوز مأخوذًا, متسائلاً كيف استطاع هذا الوغد حلّ مشكلته بهذه البساطة !!
ليتمالك نفسه الآن, فهو رجل مباحث لا يفترض به أن يندهش, لذا قال بصرامة متوترة :
- عظيم.. لتبق كل ما قلناه الآن سرًا بيننا..
وتركه ومضى في خطوات سريعة, والهواجس تمزق تفكيره.. لقد عرف كيف سيجدها, ولكن..
ما الذي سيفعله معها ؟!!
ما علاقتها بكل ما حدث أصلاً ؟!!

ثم.. مهلاً.. لماذا لا يكون ما قاله للعجوز صحيحًا ؟!!
عصابة دولية تهرب المخدرات في توابيت وتريد استخراجها.. ومشكلتهم تتمثل في شاب مصري وحيد يقطن المقابر, قد يكشف خطتهم..

ما الحل إذن ؟!.. لنخيفه.. لنخيفه حتى يترك كل هذا ويهرب..
لم لا ؟!!

لا.. لا.. ماذا عن القبور ؟!.. الرسالة ؟!.. خطه على الحائط ؟!..إنه يريد أن يفهم.. حل منطقي للامنطقية..!!
حل – ربما – يعثر عليه عند السيدة الإنجليزية..
* * *
وبعد عدة ساعات كان (يوسف) يخرج من مكتب الشركة, قابضًا على وردة بين أنامله..

اسمها (إليزابيث كافنديش).. بريطانية.. تقيم حاليًا في فندق من فنادق الدرجة الثانية في قلب العاصمة.. ها قد عرف كيف يصل إليها وبقي أن يعرف ما الذي سيفعله معها..

وفي الأغلب لن يحدث هذا إلا حين تصير أمامه.. عندئذ سيعرف.. سيفهم..
وسينتهي هذا كله..
أو سيبدأ !!
* * *

الساعة الآن التاسعة والنصف مساءً.. والمشهد كالتالي..

(يوسف) يقف منتظرًا, مختبئًا خلف إحدى السيارات في ركن الشارع المظلم قرب مدخل الفندق.. توشك سجائره على النفاذ, وقبضة الجوع تعصر معدته بعد يوم كامل لم يتناول فيه شيئًا..

لقد دخل الفندق وسأل عنها, ليعرف أنها خرجت منذ الصباح ولم تعد بعد..


لكنها تركت حقيبتها في الغرفة, وهذا يعني أنها لم تسافر عائدة إلى بلدها.. وهذا يعني أنها ستعود إلى هنا إن عاجلاً أو آجلاً..

عظيم.. لكن متى ستأتي ؟!!.. إن الانتظار الممض هذا يحرقه ببطء !

وأخذت الساعات تمر عليه كالقرون..
وبعد أن نفذت سجائره وصبره وقدرته على التحمل, وقفت تلك السيارة السوداء أمام الفندق, بصرير ينمّ عن قيادة خرقاء, ثم خرجت هي من السيارة, تكاد تسقط لفرط ما أسرفت في الشراب.. إنها لمعجزة أنها نجحت في القيادة إلى هذا الحد..

راقبها (يوسف) وهي تترنح داخلة الفندق, ثم قرر ما سيفعله.. سينتظر حتى تصعد, ثم سيتسلل خلفها إلى غرفتها حيث لن تقاومه في حالتها هذه..
المهم أن يستطيع أن يخرج منها كلمة واحدة وهي في هذه الحالة !

والآن حان وقت الانطلاق..
اجتاز المدخل... متجهًا إليها !
بلغ السلالم.. متجهًا إليها !
اجتاز الممر.. متجهًا إليها !
ثم وقف أخيرًا أمام باب غرفتها يرتجف انفعالاً.. مدّ يده على الباب ليطرقه, فتحققت أسوأ كوابيسه..
الباب مفتوح !!

هل يدخل ؟!.. لا مفر.. لذا دفع الباب بيده ودخل..
وبدأ المشهد الذي يراه يتشكل في مخه ببطء مخيف..

غرفة صغيرة.. منضدة.. مقعدان.. سرير في منتصف الحجرة.. هي ممدة على السرير.. مذبوحة.. الدماء تنزف من جرحها باطراد.. السكين في يدها.. لقد ذبحت نفسها.. الدماء تتجمع عى الفراش.. عيناها الجاحظتان ترمقانه بنظرة اتهام مريرة.. وثمة ورقة على المنضدة مكتوب عليها بخط هستيري رديء (أنت دمرت حياتي)..
وعلى الحائط.. وبالدماء.. كتب :
(( لقد خالفت القواعد وعليك أن تعلن نفسك عضوًا ميتًا في الليلة التاسعة))؟!!!!


الآن تكتمل الصورة في ذهن (يوسف)..
والآن يسقط مغشيًا عليه عند باب الغرفة !!
* * *

آخر مواضيعي

 
  رد مع اقتباس
قديم 24-06-2012م, 10:50 AM   #5
 
الصورة الرمزية بريق
 

بريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond repute

بريق غير متواجد حالياً

افتراضي

الليلة السابعة
فقدنا ثلاث ليالٍ.. !!

استجمع كل إرادته وقوته ليزيح تلك الغمامة السوداء من على عينيه, فاكتشف أنها جفناه..

رفعهما لحظة, فآلم الضوء الساطع عينيه, فأغلقهما مجددًا في ألم ثم عاد يفتح عينيه على اتساعهما.. طالعه وجه ذلك الكهل المبتسم, الذي خرج صوته ليرن في أذنيه:
لقد استيقظت مجددًا.. سأعطيك المهدئ..

وشعر (يوسف) بوخز الإبرة في ذراعه, ثم بالمهدئ يسري في عروقه..
ما الذي حدث ؟!

قرأ الكهل تساؤله في عينيه, فأجاب:
أنت في المستشفى.. لقد ظللت ثلاث ليال تحت تأثير المخدر, لذا ستشعر بنوع من العجز عن التفكير, وإن كنت تسمع ما أقوله الآن, استرخ تمامًا, وسأعود إليك..

وارتفع وجه الكهل, ثم غاب عن مجال إبصاره.. وفي ذهن (يوسف) بدت الكلمات كالبخار, تولد وتتلاشى بأسرع مما يستوعبها..

المستشفى.. المعاطف البيضاء.. طلاء الجدران هذا.. إنه يذكر هذا المكان..
لكنه لا يذكر وجه الكهل.. ثم .. ثم .. ثلاث ليال تحت تأثير المخدر !!
هل مازال تحت تأثيره ؟!

كل ما يذكره هو دماء.. دماء كثيرة .. امرأة مذبوحة ..
( اليزابيث كافنديش ) .. دمااااااءءء !!
وتحول بخار الأفكار في رأسه إلى عاصفة عاتية..
ما الذي جاء به إلى هنا ؟!! .. ما الذي حدث ؟!
لقد كان يقف عند باب غرفتها, حين فقد الوعي, لكن عن أي ثلاث ليال تحدث هذا الرجل؟! .. هل ظلّ مغشيًا عليه لثلاث ليال كاملة؟؟!!
كيف ؟!!
المنوّم.. لقد خدروه لأنه كان ..

" هل استرددت وعيك ؟! "

أدار رأسه ببطء فطالعه وجه الكهل مجددًا, و قد جلس بجوار فراشه, ليقول :
والآن اصغ لي جيدًا يا أستاذ ( يوسف).. لقد عرفت اسمك من البطاقة..

ما.. الذي .. حدث .. لي ؟!!

لقد عثروا عليك في غرفة فندق ومعك جثة سائحة إنجليزية مذبوحة.. ولقد أصبت أنت بحالة هياج عصبي ما إن استيقظت اضطررنا معها إلى تخديرك طيلة هذا الوقت.. والآن الشرطة تريد استجوابك, لكنك لست مضطرًا إن لم تكن مستعدًا بعد..

ازدادت عاصفة الأفكار في رأسه هياجًا.. استجواب..
ما الذي سيفعله ؟!

"هل أصبح جاهزًا ؟! "

اقتحم الصوت البارد القاسي أفكاره, فأدار عينيه إلى ذلك الضابط الشاب الذي وقف عند باب الغرفة يحدقه بنظرة اتهام ..

بإمكانك أن تحاول معه, لكن لا ترهقه كثيرًا ..

قالها الطبيب الكهل, ثم غادر الغرفة ليتركهما سويًا.. أما الضابط, فلقد اقترب من فراش (يوسف) مسددًا إليه نظرات اتهام لا تعرف الرحمة, وقال :
(يوسف).. ما الذي كنت تفعله في غرفة القتيلة ؟!

لا.. لا أذكر ..

قالها وأشاح بعينيه بعيدًا عن سهام الاتهام الموجهة.. إنه لن يصدقه لو أخبره بالحقيقة, لو كان يملك حقيقة ليقولها, لذا فليمض في تمثيلية فقدان الذاكرة هذه..

عاد الصوت البارد القاسي, الذي يشعره بالذنب لسبب لا يفهمه, يقول :
ماذا تعني (بلا أذكر) هذه ؟!! ..لقد كنت هناك ..

هناك ؟! .. أين ؟!

في غرفة القتيلة.. (إليزابيث كافنديش)..

أي قتيلة؟! .. أنا لم أقتل أحدا !

أعرف أنك لم تقتلها.. لقد انتحرت.. لكننا وجدناك عند باب غرفتها, فما الذي أتى بك إلى هناك ؟!

لا أذكر..

بدا الضابط وكأنما سينقض عليه لينتزع حنجرته, إلا أنه جذب نفسًا عميقًا أخرجه في صوت هادئ, يقول :
حسن إذن.. سننتظر أن تمر علينا يا سيد (يوسف) ما إن تخرج من هنا, وسأترك أحد الجنود أمام باب غرفتك لأتأكد أنك لن تنسى ..

ودون أن ينتظر رده غادر الغرفة بخطوات مسرعة..
أما (يوسف) فتجاهل هذا كله, وأخذ يفكر في المشكلة الأهم.. لقد أضاع ثلاث ليال, وهذا يعني أنه في الليلة السابعة, وأن الليلة التاسعة أوشكت دون أن يفهم أي شيء بعد..
أمله الوحيد الآن يكمن في معرفة من هم أصحاب القبور الستة .. يجب أن يعرف من هم ..

فقط لو استطاع أن يخرج من هنا .. أو بمعنى أدق, لو هرب من هنا !
بصعوبة استعاد السيطرة على عضلاته, ليهب من على الفراش, متجهًا إلى الخزانة في ركن الغرفة.. لابد أنهم يحتفظون بملاءات إضافيه هنا..
هل ستبحث عنه الشرطة ؟! .. بالتأكيد, لكنهم لن يعثروا عليه بسهولة, وهو لا يبغي إلا أن يتركوه حتى الليلة التاسعة..

بعدها..
بعدها – على الأغلب – لن يصنع عثورهم عليه أي فارق !!

* * *

" صمويل لانجرهام " ... كامبريدج
" آن ديرمو " ... كامبريدج
" توم فريمان " ... كامبريدج
" ستيفن كونتز " ... كامبريدج
" جوزيف ساندر " ... كامبريدج
" بيتر مورجان " ... كامبريدج

ووسط القبور الستة, وقف (يوسف) محاولاً فهم ما يحدث..

صحيح أن هروبه كان مرهقًا.. صحيح أن آثار المهدئ لم تتلاش بعد..لكنه يريد أن يفهم..
لماذا جاءت هذه القبور بعد مجيئه ؟!
لماذا يتلقى تلك الرسائل على جدران غرفته ؟!
لماذا كادت (إليزابيث كافنديش) أن تقتله, ولماذا انتحرت بعدها ؟!!
كل ما يريده هو أن يفهم ..

" أستاذ (يوسف)... إنه أنت.."

ارتفع صوت الحاج (سيد) بهذه العبارة, فأدار إليه عينين صامتتين..

أين كنت طيلة هذه الفترة ؟! .. لقد قلقت عليك ..

أراد أن يجيبه, لكنه لم يستطع ليواصل العجوز:
لقد اختفيت فجأة.. وسألت عنك, لكن..

انتزع (يوسف) الكلمات من حلقة ليقاطعه:
أين حارس المقابر ؟!

أي حارس ؟!!

الرجل العجوز الذي يعيش هنا ..


التمعت الحيرة في عيني الحاج (سيد), وهو يقول :
لا عجوز هنا سواي .. عن أي رجل تتحدث ؟!

تسللت العصبية إلى نبرات (يوسف):
من يحرس هذه المقابر ؟!

أنا ..

ولا أحد سواك ؟!

لا أحد ..

اللعنة !!
ها هو لغز جديد يجد طريقه إلى حياته .. الرجل العجوز الذي كان يجلس معه طيلة الليل, لا وجود له ..!
مرحى.. هذا هو ما كان ينقصه..!

أستاذ (يوسف).. إنك تبدو مرهقًا للغاية, و.. وما هذا الذي ترتديه ؟!

نقل (يوسف) عينيه بين رداء المستشفى, ووجه الحاج (سيد), ثم قال :
سأذهب إلى غرفتي ..

وتركه بخطوات متثاقلة, وقد قرر أن يذهب هذا كله إلى الجحيم, فهو الآن لا يريد سوى أن ينام ..

وعلى باب غرفته وقف.. فتح الباب ثم أضاء المصباح ..
وبعينين خاويتين أخذ يرمق الجدران, التي أغرقتها السطور الإنجليزية ذات الخط المائل المرسوم..

لقد فاته الكثير إذن .. لكن لا بأس .. سيترك هذا للغد, لأنه الآن ..

سيناااام ..


* * *



آخر مواضيعي

 
  رد مع اقتباس
قديم 24-06-2012م, 10:53 AM   #6
 
الصورة الرمزية بريق
 

بريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond repute

بريق غير متواجد حالياً

افتراضي

الليلة الثامنة
السبعة...!

استيقظ "يوسف" في اليوم التالي وقد زال أثر المخدر من أوصاله, فنظر إلى جدران الغرفة, نظرة سريعة ثم غمغم:
- لأستعد أولاً..


ارتدى ملابسه ليغادر الغرفة, ثم عاد بعد ساعة وهو يحمل إفطاره, وعلى المشعل الصغير في ركن الغرفة, ترك المياه تغلي.. الجدران لن تطير على أية حال!

و ما هي إلا دقائق حتى جلس على كرسي أمام الجدار, ممسكًا بكوب شاي تتصاعد الأبخرة من على سطحه, مشعلاً سيجارة, ليبدأ في القراءة..
بدأ يقرأ قصة السبعة..
* * *
الزمان.. عام 1730

المكان.. "كامبريدج".. ذلك المنزل العتيق, ذو المدخل الضيق, والسلالم الملتوية كأفعى, وفي الأعلى غرفة ضيقة بها طاولة خشبية مستديرة حولها سبعة مقاعد..
وعلى المقاعد تراص السبعة.. "بيتر مورجان" و"صمويل لانجرهام" و"آن ديرمو" و"توم فريمان " و"ستيفن كونتيز" و"روبرت داوني" و"جوزيف ساندر"..


في ذلك الوقت في كامبريدج, كان شعار الشباب الأوحد, هو تكوين الجمعيات.. جمعية محبي طوابع البريد.. جمعية كارهيها.. جمعية جامعي العملات.. جمعية اللامؤمنين بالعملات.. جمعية جامعي الملابس النسائية وحرقها في احتفال مهيب!

أي جمعية.. المهم أن ينضم كل شاب إلى جمعية, وأن تكون لهذه الجمعية قدسيتها التي لا تقل بالنسبة له عن قدسية الكنيسة ذاتها..
لكن هؤلاء السبعة كانوا مختلفين.. وكانت جمعيتهم مختلفة أيضًا..

كانت جمعية ذات قانونين لا ثالث لهما.. أولهما ألا يزيد أو يقل عدد أعضاء الجمعية عن سبعة أيًا كان السبب.. أما الشرط الثاني فهو عدم التغيب عن اجتماعات الجمعية في الثاني من نوفمبر من كل عام مهما كان السبب.. حتى لو كان الموت ذاته هو السبب..!
قد يبدو هذا غريبًا، لكن الأغرب حدث عام 1743 وقبل ميعاد الاجتماع بيومين فحسب..

ففي ذلك اليوم مات "آلان ديرمو" في مبارزة.. لكنه –عملاً بقواعد الجمعية– حضر الاجتماع في ميعاده؛ حيث قضوا الوقت في الرقص والغناء ولعن كل المقدسات في كل دين, وفي نهاية الاجتماع أعلن "آلان ديرمو" نفسه عضوًا ميتًا!

وعن هذا تقول سجلاتهم التي تركوها, ليعثر عليها فيما بعد المؤرخ "كيلي كوش" إن ستة أزواج من العيون الذاهلة حدقت في "آلان ديرمو".. شبحه على الأدق..
وإذ استطاع أحدهم النطق, كان ما قاله هو:
- ولكن.. كيف؟!
- لماذا كيف؟!
- لأن هذا غير منطقي... لأنك ميت!!
- أخبروني عن أكثر الأشياء منطقية, وسأجد لكم شيئًا غير منطقي فيها!!!

ومرت السنوات.. وتوالت الوفيات.. وازداد عدد الموتى حتى بلغ ستة!
ولابد أن الهلع قد استبد بالسابع الذي كتب يقول:
- لست أفهم ما الذي يحدث.. لم أعرف كيف بدأنا هذه الفكرة المجنونة, ولا أعرف كيف ستنتهي.. إنني الوحيد الذي بقي حيًا, ولقد عزمت على تدمير كل شيء قبل فوات الأوان..
إلى هنا ينتهي دور السجلات..
أما ما حدث بعد ذلك, فلم تذكره السجلات..

ففي الليلة التي كتب فيها السابع "روبرت داوني" أسطره هذه, عاد إلى منزله وقلبه يخفق بعنف.. يجب أن ينتهي هذا كله.. يجب.. لكنه يدرك أنه لن ينتهي بسهولة..

يدرك أن الستة معه طيلة الوقت.. لا ليس في الاجتماعات فحسب.. بل في كل وقت وكل مكان!!

يدرك أنه العضو الوحيد الحي, وأن لهذا ثمنه!!
يدرك أنه خالف قواعد الجمعية.. أهم قوانين الجمعية.. ولقد عرفوا..
والآن هو يدرك أنها ليلته الأخيرة, لذا عليه أن يسرع, وأن ينهي كل شيء كما بدأ..

جلس على مكتبه, وأخرج أوراقه, ثم أخذ يخط رسالته الطويلة..
وإذ انتهى كان يمسك برزمة الأوراق ويلهث.. ترى هل ستصدقه؟!! هل سيصدقه أحد؟!!..

نادى على الخادمة النحيلة الباردة, فجاءته لتقول ببرود:
- نعم يا سيدي..
- "هيلين".. خذي هذه الأوراق وضعيها في مظروف, وأرسليها إلى يد الملكة "كارولين" شخصيًا..
- ماذا؟!!
- نفذ يا "هيلين".. لا وقت للجدال.. وثمة شيء آخر عليك القيام به, لذا أصغ لي جيدًا..


وألقى على مسامعها بكل ما لديه.. كانت وصيته الأخيرة..!

ففي الصبح عثروا على جثته شاخص العينين, وكان الشيء الوحيد المؤكد في موته, هو أنه لم يكن طبيعيًا بالمرة.. لم يكن كذلك أبدًا..

الآن يقف "يوسف" في منتصف الغرفة يرتجف..
الآن يعرف من هم الستة.. أصحاب القبور..

لقد جاءوا من أجله.. استخدموا تلك السيدة "إليزابيث" لتنقل قبورهم إليه.. وهو لا يحتاج إلى تأكيد ليدرك أن الغد سيكون الثاني من نوفمبر..

سيكون الليلة التاسعة..

ولكن.. ما علاقته هو بهذا كله؟!.. لا يزال لا يفهم!!
لكن عليه أن يتصرف وبسرعة.. عليه اتخاذ ردة فعل ما.. عليه أن..

لكن الطرقات الهادرة انتزعته مما هو فيه, ليهتف بانفعال:
- من؟!

أتاه صوت الحاج "سيد" مفعمًا بالهلع:
- أستاذ "يوسف".. افتح رجاءً..

غمغم "يوسف" بضجر:
- ما الذي يريده هذه المرة؟!

وفتح الباب, ليجده يرتجف أمامه من فرط الانفعال, فسأله:
- ماذا حدث؟!
- أعتقد أنك يجب أن ترى بنفسك..
- أرى ماذا؟!

لم يجب العجوز هذه المرة, بل أشار تجاه القبور التي بدت وكأنما تمتد بلا نهاية..
رسالة واضحة تقول: "اذهب إلى هناك.. إلى دائرة القبور"..

رسالة استقبلها "يوسف" بصمت, قبل أن يتجه بخطوات بطيئة إلى هناك..
الليل يرسل نسماته الباردة..

الآن يقف أمام دائرة القبور السبعة.. سبعة؟!.. مهلاً, لقد كانوا ستة!!
بخطوات ذاهلة يخطو "يوسف" إلى قلب الدائرة, وتدور عيناه في استسلام قدري على الشواهد..

"بيتر مورجان" و"صمويل لانجرهام" و"آن ديرمو" و"توم فريمان" و"ستيفن كونتيز" و"جوزيف ساندر".. ثم "يوسف يحيى"!!


قبر سابع انضم إلى الدائرة المخيفة, يحمل اسمه هذه المرة..
والآن يدرك "يوسف" من هو السابع!!

* * *



آخر مواضيعي

 
  رد مع اقتباس
قديم 24-06-2012م, 10:57 AM   #7
 
الصورة الرمزية بريق
 

بريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond repute

بريق غير متواجد حالياً

افتراضي

الليلة التاسعة
السابع..!

دارت عينا ذلك الرجل فيما حوله في بطء.. ثم شدّ قامته باعتداد, كما يليق بعقيد شرطة في مثل عمره, قبل أن يتقدم إلى دائرة الأحداث..

صفير سيارات الشرطة وأضواؤها الزرقاء تنعكس على شواهد القبور, تصبغ الموقف كله بطابع سينمائي محبب.. إن الأمر أشبه بفيلم, وهو أشبه ببطله!

وحين يمتزج صوت الصافرات بحركة الرجال بأجهزة المعمل الجنائي, في أوركسترا نادرة تعزف لحن الجريمة.. يتقدم هو بشموخ لحل طلاسم الجريمة كالمعتاد..

نادى بصلف متعمد على أحد الجنود, فجاءه هذا مسرعًا, ليسأله:
-ما الموقف حتى الآن؟!
-لم نعثر على الجثث بعد.. لكننا عثرنا على هذه..

وناوله رزمة من الأوراق تلقفها هو باستنكار, فهتف:
- ما هذا؟!

أتاه جندي آخر يهتف بلهفة:
-سيادة العقيد.. ثمة ما يجب أن تراه..

-ماذا؟!

-الغرفة.. الغرفة التي كان يقطنها ذلك الشاب.. يجب أن ترى بنفسك

اندفع العقيد بخطوات مسرعة إلى الغرفة, ولم يكد يدخلها حتى هتف:
-ما هذا؟!

ودارت عيناه في الجدران الذي غطته الكتابة الإنجليزية المرسومة, ليردف:
- أي عبث هذا؟!

ثم أخذ يقلب في الأوراق في يده, مغمغمًا:
-علّها تكون ذات فائدة..

وجلس على الفراش ليبدأ في قراءتها..
ومع السطور بدأ يعرف ما الذي حدث..
في الليلة التاسعة..
* * *
في ذلك اليوم, كان أمام "يوسف" الكثير ليفعله..
إنه اليوم.. إنها الليلة التاسعة..!

لماذا لا يهرب؟!.. نعم يهرب.. يترك كل هذا الجنون ويرحل..

الفرصة أمامه وستمر الليلة التاسعة كأي ليلة أخرى, لكنه لن يكون هنا..

لكنه الفضول.. الفضول الذي قتل ألف قط قبله!!
قد يرحل, لكنه سيقضي عمره كله عاجزًا عن الفهم.. يمضي عمره كله يفكر, ما الذي كان سيحدث لو ظلّ؟!
لذا سيبقى.. لذا سيفعل ما يفعله..

من الواضح أنه السابع بصورة ما.. ومن الواضح أنه يجب أن يخضع لقوانينهم ويحضر الاجتماع, وأن يعلن نفسه عضوًا ميتًا.. لكن!!
لكنه يملك لهم مخططات أخرى!!

خرج في ذلك اليوم قاصدًا مكانًا ما, وعندما عاد كانت تلك اللفافة التي يخفي فيها المسدس, ثقيلة في يده, تشعره بمزيج من الاطمئنان والرهبة.. إنه لم يستخدم مسدسًا من قبل, لكن مجرد وجوده, كفيل ليشعر بالأمان..

فليأمل أنه لن يضطر لاستخدامه, وإن كانت كل الظروف من حوله, تؤكد أنه لن يكون ذا فائدة أصلاً..
والآن ليكمل مجموعته..

ذهب إلى غرفة الحاج "سيد" العجوز مؤجر الغرفة, وطرق على بابه ليأتيه الصوت المنهك الخبيث:
-من؟!

-أنا "يوسف"..

صوت حركة.. اصطدام بشيء ما.. خطوات, ثم يفتح الباب الخشبي, ليطل العجوز من خلفه:
-أستاذ "يوسف".. تفضل..

ظل "يوسف" واقفًا مكانه, وهو يسأل:
-هل أحضرت ما طلبته منك؟

-نعم.. نعم.. لكن هل مازل مصرًا؟!

-بالطبع..

-لو كنت مكانك, لاستدعيت أحدهم.. صدقني.. لولا سني لما تركتك بمفردك..

-لا بأس سأذهب بمفردي وليكن ما يكون..

منحه العجوز نظرة طويلة مشفقة, ثم غاب في غرفته ليعود حاملاً معولاً, ناوله إياه قائلاً:
-هذا سيفي بالغرض..

-عظيم.. تذكر ما أخبرتك به جيدًا..

-سأفعل.. أعدك أنني سأفعل..

ودون إضافة عاد "يوسف" إلى غرفته, حاملاً المعول..
الآن سينام, وعند منتصف الليل تمامًا سيستيقظ.. و.. و..
وسينزل إليهم!!!
* * *
عند دقات منتصف الليل, خرج "يوسف" من غرفته الكابوسية حاملاً المعول والمسدس..

ملأ صدره بأنسام الليل الباردة, ثم اتجه إلى دائرة القبور..

ترى.. هل يرتجف جسده من البرد أم من الخوف؟!!!
بلغ القبور السبعة التي بدأت الأعشاب تزحف على شواهدها, لتصنع أمامه لوحة قوطية مخيفة..ذات اللوحة التي رآها في أول ليلة..

ولج بين الشواهد بصعوبة, ثم وقف في منتصف الدائرة محاولاً السيطرة على أعصابه..

ثمة أصوات ما تنبعث من القبور!!.. أصوات همس!!
هل بدأ يهلوس؟!.. لم يعد يدري!

الآن ليبدأ, فلم يعد يفصل بينه وبين الفهم سوى دقائق قليلة مهما طالت..

رفع المعول بأقصى ارتفاع, ثم هوى به بجوار قبره!.. لكم يبدو الأمر ساخرًا!
لكم يبدو الأمر رهيبًا!!

وبعد نصف ساعة كان قد انهار جوار القبر يلهث بعنف، وقد أدرك عدم جدوى ما يفعله.. إنه لن يستطيع المواصلة هكذا..

حاول زحزحة الواجهة الرخامية مستندًا بالمعول، فبدا أن هذا الحل أكثر منطقية.. هاهي الواجهة تهتز وتزأر.. وببطء شديد بدأت تتحرك..

تتحرك... مزيد من الجهد... تنزاح.. أكثر قليلاً.. ها هي ظلمات قبره تنكشف له..
الآن يرى الحفرة الضخمة التي كانت تختفي أسفل الواجهة الرخامية، لينهار جسده على حافتها، ولينظر إليها وهو يغمغم:
كان يجب أن أحضر حبلاً..

لكن لا مجال للتراجع الآن.. لذا ألقى بالمعول في ظلام الحفرة، وبحركة يائسة، ألقى بجسده خلف المعول..

كان السقوط مؤلمًا، لكن الارتفاع لم يكن كافيًا لتتهشم عظامه، لذا وقف بصعوبة داخل الغرفة، وتحسس طريقه حتى أمسك بالمعول مجددًا، فواصل الحفر، وظلام القبر من حوله يخنقه..

رجل يحفر قبره، علّه يحل الغموض الذي دمر حياته في الليلة التاسعة..

وحين اصطدم المعول بواجهة التابوت الخشبي أخيرًا، ألقى بالمعول جانبًا، ثم استنفر عضلاته المجهدة، ليزيح الغطاء، وفي أعماقه يتلوى سؤال عن كنه الذي سيجده أسفل هذا الغطاء..

وإذ أزاحه جانبًا، وقف يرمق ذلك النفق الطويل في باطن الأرض، الذي تبدى له على هذا الضوء الخافت..
الضوء الخافت القادم من أعماق الأرض!!

وقف لحظة يصغي لأصوات الهمس، ثم غمغم:
لقد جننت.. أرجوك يا إلهي..أرجو أن أكون جننت..

وبعد لحظات من التردد، ألقى بنفسه في النفق، وهذه المرة تدحرج جسده طويلاً، قبل أن يصطدم بالأرض بعنف، شعر معه وكأنما تهشمت كل عظامه، لكنه تحامل على نفسه ليقف، وهو يتساءل:
- وصلت.. لكن.. أين؟!

وعلى الضوء الذي ازدادت حدته رأى الممر الممتد أمامه، فاجتازه بخطوات حذرة، ويده تقبض على مسدسه، مسددًا إياه إلى أي ممن سيعترض طريقه..
وفي نهاية الممر، فغر فمه ذاهلاً، يحدق في المشهد أمامه..
وأمامه كانت تلك القاعة، التي احتوت على منضدة خشبية، تراصت حولها سبعة مقاعد، وعلى سطحها رقد دفتر عتيق تراصت حوله الشموع.. دفتر من القرن الثامن عشر..
تقدم مأخوذًا من هذا كله، وجلس أمام المائدة.. هل تذكرون؟!

حين جلس وأخرج أوراقه وقرر أن يكتب ما حدث ويحدث.. لقد كان هذا حين سمع الخطوات..

التفت مذعورًا والمسدس يرتجف في يده، ليصغي بانتباه إلى صوت الخطوات القادمة.. خطوات أكثر من شخص يتجهون إليه..

يا إلهي!!.. إن ما يراه الآن مستحيل!!.. مستحيل!!
فأمامه كان السبعة يدخلون إلى القاعة، واحدًا تلو الآخر.. مهلاً.. السبعة!!

حدق ذاهلاً في السابع الذي دخل بخطوات وئيدة، ناظرًا في عينيه مباشرة.. في العجوز حارس المقابر الذي قابله في الليلة الأولى، وجلس معه ليتسامرا!!

خرجت الكلمة من فم "يوسف" كالفحيح:
-أنت؟!

أتاه الصوت الأجش، الذي لم يخل من الود بعد:
-نعم يا بني.. أنا السابع..

تهاوت يد "يوسف" التي تحمل المسدس جواره، وهو يهمس ذاهلاً:
-ولكن.. كيف؟؟!

ظل العجوز صامتًا، في حين جلس الستة حول المائدة، رامقين "يوسف" في إصرار، ثم تحدث العجوز ليقول:
-القصة أعقد بكثير من أن أحكيها.. ولكن لم لا؟!.. اصغ جيدًا ولا تقاطعني إن كنت تبغي الفهم، وما أحسبك هنا إلا لأنك تريد أن تفهم.. بالتأكيد أنت تعرف الآن قصة السبعة..

نطق أحد الستة الجالسين بإنجليزية عتيقة:
-بالتأكيد.. لقد كتبتها بنفسي على حائط غرفتك.. بالمناسبة.. أنا "آلان ديرمو"..

واصل العجوز كأن أحدًا لم يقاطعه:
-السابع "روبرت داوني" كان أحد جدودي.. لا تندهش فأنت لا تعرف من هم جدودك بعد.. أنت تعرف أنه خالف التعليمات إذ تزوج وأنجب، وبهذا أخل بكوننا سبعة.. وقوانين الجمعية صارمة لا تقبل النقاش، لذا دفع الثمن في الليلة التي أفشى فيها بسر الجمعية، إذ أرسل إلى الملكة "كارولين".. في هذه الليلة أرسل ابنته مع الخادمة إلى مكان مجهول، فتوالى نسله وسافر وهاجر وانتهى الأمر بي أنا.. أنا حفيد السابع..

سأله "يوسف" بتردد خائف:
-هل أنت.. ميت؟!!

شقت الابتسامة طريقها في ملامح العجوز، وهو يجيب:
-لا.. أنا حي.. لا بد أن يكون السابع حيًا ليضمن استمرار الستة الآخرين.. أظنك الآن تتساءل عن كيفية استمرارهم هم..

كان "صمويل لانجرهام" هو من تحدث بالإنجليزية العتيقة ليقول:
-تقصد أشباحنا.. لكن ألا تظن أنه لا داعي لأن يعرف؟

أجاب العجوز ببساطة:
-لا فارق..

ثم عاد يوجه كلامه إلى "يوسف":
-المؤرخ الأحمق "كيلي كوش" ظن أنه فهم كل شيء عندما عثر على تلك السجلات في المنزل القديم في كامبريدج، لكنها لم تكن السجلات الحقيقية.. فالسجلات الحقيقية ترقد أمامك الآن على الطاولة.. أنا الذي استطعت العثور عليها وحفظها بعد كل هذه السنوات، وأنا الوحيد الذي عرف كيف كانوا يستمرون..

انفجر "يوسف" بغتة:
-ما دخلي أنا بهذا كله؟!

طقطق العجوز بلسانه، وأجاب بلهجة عتاب أبوية:
-قلت لك لا تقاطعني.. لقد كانوا يمارسون السحر الأسود.. كل اجتماعاتهم كانت لممارسة طقوس هذا الفن الغامض، حتى بلغوا فيه درجات لم يبلغها أحد، واكتشفوا أسرارا لم يكن لأحد أن يعرفها.. من هذه الأسرار، كانت طريقة الاستمرارية، ولهذا كانوا يحتاجون إلى ضحية.. ضحية آدمية..

وابتسم ابتسامة واسعة جعلته يسعل، قبل أن يردف:
- وأنت ستكون ضحيتنا الآدمية.. لا تنكر أن كل ما حدث استدرجك إلى هنا بسهولة..

شعر "يوسف" كأن طرقات مخيفة تهوي على رأسه، وهو يدير عينيه ذاهلاً غير مصدق في وجوه السبع، ليجاوبوه بسبع ابتسامات مقيتة..

كل هذا كان عبث!!
كل هذا ليستدرجوه إلى هنا؟!!

خرجت الكلمات من فمه زائغة:
-لـ.. لكن لماذا أنا بالذات؟!

وانتبه إلى سؤاله فأردف:
- هل جئتم من "كامبريدج" خصيصًا من أجلي؟!

أجاب العجوز، ملوحًا بكفه في الهواء:
-آه.. نسيت هذه النقطة.. "يوسف" هل تتبعت جدودك من قبل؟!

لا..

-ألا تعرف أن لك أصولا أجنبية، وأن أحد جدودك هو السيد "مكارث ستيفنسون"؟

-من هو "مكارث ستيفنسون" هذا؟!!

-إنه السيد الذي قتل "آلان ديرمو" في تلك المبارزة عام 1743.. وأنت الحفيد الوحيد له الذي لم يتزوج بعد.. أنت آخر النسل..!!
* * *
الآن يتدلى فك "يوسف" ببلاهة، بينما يقول العجوز:
-لا وقت لنضيعه.. آسف يا بني، لكننا سنضطر لقتلك..

تراجع "يوسف" ثم لم يلبث أن انتبه إلى المسدس الذي يحمله، فسدده إلى العجوز، وهتف:
-هل نسيت أنني من يحمل المسدس هنا؟!

اندلعت الضحكات من سبع حلوق، ثم قال "آلان ديرمو":
-إنك لن تخرج من هنا على أية حال.. نحن انتظرنا مئات السنين، ولن يضيرنا أن نضيف إليها الوقت اللازم لتخور قواك..

و أضاف العجوز باسمًا:
- أما أنا فأستطيع الانتظار..

هتف "يوسف":
-ستخور قواك أنت أيضًا..

مطّ العجوز شفتيه وقال:
-حينئذ سيتصرف هؤلاء السادة.. إن بقاءهم رهن بقائي..
-أشكرك.. هذا ما كنت أوّد التأكد منه..

والتمعت عينا "يوسف" بظفر، وهو يردف:
- ها أنت قد قلتها.. إن بقاءهم رهن بقاءك.. وأنت حي مثلي، والمسدس سيعمل معك بكفاءة..

توترت التجاعيد في وجه العجوز، وقال:
-هل ستقتلني؟!
-هل لدي خيار آخر؟!!

نظر العجوز نظرة استغاثة إلى الأشباح الستة، لكن "يوسف" قفز بعيدًا عن متناول أيديهم، صائحًا:
-فليبق الكل في مكانه..

وفي ذهنه أخذت الأفكار تتواثب بأسرع من قدرته على الاستيعاب.. يجب أن يتصرف الآن.. لن يستطيع تسلق الحفرة، ولن يتركوه يفعل لو حاول.. وهو لن يظل هكذا طويلاً..

لقد كان الحاج "سيد" على حق، حين أخبره أن يحضر أحدهم معه ..!
الآن هو وحيد وسط مهرجان الأشباح هذا!!
ما الحل؟!

قال العجوز كأنما قرأ أفكاره:
-لا مفر أمامك.. استسلم..

صرخ "يوسف" بعصبية:
-قف مكانك..

لكن العجوز واصل تقدمه:
-استسلم يا بني.. استسلم..

-قلت لك الزم مكانك..

-استسلم.. استسلـ

وهمّ العجوز أن ينقض، لكن رصاصة انطلقت من مسدس "يوسف" واخترقت صدره، ألزمته مكانه وأخرسته إلى الأبد..

وسقط العجوز على الفور والدماء تتفجر من صدره.. وبذهول لاهث أخذ "يوسف" يحدق في الجثة أمامه..
لقد قتله!!

وفي صمت حدقت الأشباح الستة في الجثة، ثم نطق "آلان ديرمو" ليخرج صوته هادىء النبرات:
- عظيم..

التفت إليه "يوسف" ذاهلاً، فواصل "ديرمو":
-لقد سار الأمر كما خططنا له.. شكرًا..

وابتسم "ديرمو" ليقول مفسرًا:
- ألم تفهم بعد؟!.. لقد فعلت كل ما كنا نريده.. أنت السابع لا هو.. لقد أوهمناه أنه السابع لنتخلص منه بعد أن اكتشف السجلات الحقيقية، والآن لا يبقى أمامك سوى الانتحار بعد أن دمرت حياتك.. عليك أن تعلن نفسك عضوًا ميتًا كما هي قوانين الجمعية..

همس "يوسف" ذاهلاً وهو يشعر بأن الأرض تميد به:
-مستحيل!!!

-الآن ينتهي دورنا.. أنت آخر نسل السابع وأيًا كان ما ستقرره فالنهاية حتمية.. سننتظرك هناك.. في الجانب الآخر..

وسابحين في الهواء هذه المرة، غادرت الأشباح الستة المكان، تاركين "يوسف" والجثة التي تنزف منها الدماء بلا توقف..

وهمس "يوسف" مرة أخرى:
- مستحيل!!

إنه الآن قاتل.. قاتل وهارب من الشرطة..
حياته دمرت نهائيًا وكل هذا لأنه حفيد السابع.. والآن أصبح بقاؤه هنا كخروجه لا يحملان له سوى الهلاك..
إلا إذا..

ونظر إلى المسدس في يده بشرود، مدركًا أنه لا خيار آخر أمامه..
لا خيار على الإطلاق!!
* * *
انتهت الأوراق في يد العقيد، فغمغم في ذهول مستغربا:
-ما هذا العبث؟!.. لست أفهم شيئًا .!!

ودخل أحد الجنود الغرفة، ليقول برسمية:
- سيدي.. لقد عثرنا على جثتين في أحد القبور المفتوحة.. إحداهما لعجوز تلقى رصاصة في صدره، والثانية لشاب يبدو أنه انتحر مطلقًا النار على رأسه، ويبدو أنه من قتل العجوز..

أدار له العقيد عينين شاردتين مصدومتين، ثم قال:
انتشلوا الجثتين.. لقد انتهت القضية قبل أن تبدأ.. القاتل انتحر..

-ماذا عن الأوراق يا سيدي؟!

-يبدو أن القاتل أصيب بالجنون ليكتب هذا كله.. إننا لم نجد قبرا أسفل الأرض ولا شيء.. مجرد قبر مفتوح فيه جثتان.. إنه هارب من المستشفى على كل حال ولا يوجد تفسير آخر سوى جنونه..

وبهدوء هب من مكانه، ليردف بلهجة باترة:
- لقد أغلق ملف القضية..
* * *

الآن نذهب إلى "فرنسا".. إلى تلك الغرفة في الفندق التي استيقظ فيها "جان مارسو" على كابوس عجيب*..

كابوس عن سبعة قبور في مصر، يجب أن ينقل التوابيت منها إلى فرنسا..

كابوس يطارده بضرواة، كأنها مهمة عليه القيام بها..!!
إنه لم يذهب إلى مصر من قبل، لكن يبدو أنه سيذهب قريبًا.. وبعد أن يتم مهمته سيكون عليه أن ينتحر!!

شعور غامض يكتنفه يقول هذا.. نعم . سيتم مهمته هذه ثم سينتحر!
سيكون مضطرًا..

* هل تذكرون "إليزابيث"؟!

-تمت بحمد الله-


آخر مواضيعي

 

  رد مع اقتباس
قديم 3-07-2012م, 03:08 PM   #8
 
الصورة الرمزية منى
 

منى has a reputation beyond reputeمنى has a reputation beyond reputeمنى has a reputation beyond reputeمنى has a reputation beyond reputeمنى has a reputation beyond reputeمنى has a reputation beyond reputeمنى has a reputation beyond reputeمنى has a reputation beyond reputeمنى has a reputation beyond reputeمنى has a reputation beyond reputeمنى has a reputation beyond repute

منى غير متواجد حالياً

افتراضي

قصة جميلة ومرعبة أيضا

فكرة أن يجد الإنسان نفسه في موقف صعب يضطر معه إلى أن يقتل نفسه حتى يحميها هى في حد ذاتها فكرة مرعبة

ودوما ما تكون هذا التصرف هو أكبر أخطاؤه



وينهي الكاتب القصة بسؤال أخر تكون الإجابة عليه بقصة مرعبة أخرى

قصة ممتعه

شكرا أخى أسامه

آخر مواضيعي

 
التوقيع:

إلهي انت تعلم كيف حالي فهل يا سيدي فرج قريبُ

فـ يا ديان يوم الدين فرج هموماً في الفؤاد لها دبيبُ

  رد مع اقتباس
قديم 4-07-2012م, 04:56 PM   #9
 
الصورة الرمزية بريق
 

بريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond repute

بريق غير متواجد حالياً

افتراضي

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة منى مشاهدة المشاركة
قصة جميلة ومرعبة أيضا

فكرة أن يجد الإنسان نفسه في موقف صعب يضطر معه إلى أن يقتل نفسه حتى يحميها هى في حد ذاتها فكرة مرعبة

ودوما ما تكون هذا التصرف هو أكبر أخطاؤه

وينهي الكاتب القصة بسؤال أخر تكون الإجابة عليه بقصة مرعبة أخرى

قصة ممتعه

شكرا أخى أسامه
وجهة نظر مميزة ..

أشكرك أختي منى ..

آخر مواضيعي

 
  رد مع اقتباس
إنشاء موضوع جديد إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

جديد مواضيع قسم قصص وروايات


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
بلا أطراف .. قصة لد. تامر ابراهيم بريق قصص وروايات 12 10-05-2013م 05:01 PM
في المقهى .. قصة لد. تامر ابراهيم بريق قصص وروايات 6 4-07-2012م 05:05 PM
نحن .. قصة .. د.تامر ابراهيم بريق قصص وروايات 10 1-07-2012م 08:16 PM
فزع .. قصة لد. تامر ابراهيم بريق قصص وروايات 3 28-06-2012م 11:12 PM






~ جميع آلمشآركآت آلمكتوبهـ تعبّر عن وجهة نظر صآحبهآ ,, ولا تعبّر بأي شكلـ من آلأشكآل عن وجهة نظر إدآرة آلمنتدى ~