المنتدى المتواجدون الآن مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة
العودة   قلعة طرابلس > منتدى إقرأ أونلاين > اقرأ أون لاين لأشهر أدباء العرب والعالم > تامر إبراهيم > قصص وروايات
التسجيل التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويمالمسابقات اجعل كافة الأقسام مقروءة



إنشاء موضوع جديد إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 29-06-2012م, 05:44 PM   #1
 
الصورة الرمزية بريق
 

بريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond repute

بريق غير متواجد حالياً

1 (40) حين يأتي الموت .. قصة لد. تامر ابراهيم

حين يأتي الموت

"1"
"متى تظنه سيأتي؟؟"
قالها الأول، فارتجف الثلاثة، رغماً عنهم..

وأجاب الثاني بصبر نافد:
- سيأتي حين يأتي... لا داعي لإضاعة الوقت المتبقي، في عذاب الانتظار... كفانا عذاب النهاية...

أمــا الـثـالث، فكوّر جسده البدين، في أحد الأركان، كأنما يصنع لنفسه شرنقة من الدهون المحيطة به، وأخذ يبكي..!

بكاءً مراً غزيراً، أصاب الرابع بالغيظ، إذ شاهد كتلة الشحم هذه تبكي، فزمجر:
- أهذا وقت البكاء?!

جاءه الرد بطعم الدموع، مالحاً:
- ألا أملك حتى لحظاتي الأخيرة، لأفعل بها ما أشاء?!!

ثم غلفهم الصمت والنحيب، فجلس الأول يفكر..
ماذا تفعل في لحظاتك الأخيرة؟؟!!

تصلي؟؟ تبكي؟؟ تفكر؟؟ ترقص?! تقتل?!!
هيا فكّر.. فالخيارات محدودة، واللحظات معدودة..

اعتصر ذهنه فلم يجد شيئاً.. لا شيء على الإطلاق..
فراغ قاتل أكثر من الموت ذاته..
متى ينتهي هذا كله؟؟!

ربما بعد لحظات.. ربما بعد ساعات.. ربما بعد أيام.. لا فارق، إنهم هنا منذ شهرين ولم يتغير شيء بعد..

ذات الغرفة الضيقة، عارية الجدران، بلا أثاث أو إضاءة أو مخرج..

فقط منفذ صغير للتهوية، أعلى السقف، من حيث ألقوا به، وثلاث أرواح تتعذب مع روحه طيلة شهرين، سابحة في ظلام أشد قتامة من ظلام القبر، وسؤال واحد يدور في العقول والقلوب..
متى يأتي الموت؟!!

كــان يعرف أن السؤال الأحق -في حالتهم هذه- هو "كيف يأتي الموت?" لكن أحدهم لم يجرؤ على التلفظ بالسؤال..

سيأتي الموت بأبشع صوره.. هم يدركون هذا حق الإدراك، فلا داعي للمزيد من الفزع..

كــــانت عيونهم قد اعتادت الرؤية في الظلام كالوطاويط، فأخذ يتسلى بمراقبة ردود أفعالهم..

الثاني كان نحيلاً إلى حد الهزال.. إلى حد بروز عظام جمجمته، المغطاة بالشعر، وقد امتزج شعره الطويل، بذقنه الثائرة، فبدا أشبه بالمذءوبين... ووسط غابة الشعر هذه ومضت عيناه، كمصباحين يبثان الفزع في كل مكان..

بإمكانك أن تلحظ علامات المرض، في أنياب الرجل النامية، والعروق البارزة في وجهه، وذلك الانتفاخ الطفيف في عنقه... المرحلة الخامسة من المرض..
حين يبلغون المرحلة السادسة، سيبدأ المرح.. بل قل سيبدأ الهول!

فيروس العصر..
لا.. لم يمنحه العلماء اسماً.. فلم يتبقَ من العلماء أحد على قيد الحياة ليمنحه اسماً متحذلقاً ينتهي بمقطع لاتيني، كأنه ينقصه رهبة الاسم..

لم يعرف عن الرجل الثاني شيئاً، ولم يهتم ليعرف..

الثالث كان بديناً أكثر من أن يسمح لعلامات المرض بالظهور عليه.. إنـه يمـلك من الشحـم ما يكفـي لإخفاء مـلامحه ذاتهـا!!

هذه الكتلة من الشحم كانت تعمل يوماً كمدرس لعلم الذرات، لكن حين أصابه المرض، تحول إلى رقم في سجل ضحايا الفيروس، ليلقوا به في هذه الغرفة حتى ينتهي أمره، بعد هذا سيحرقون الجثث، ويلقون بضحايا جدد في ذات الغرفة..

هو الآن يستند براحته إلى جمجمة محترقة، دون أن يبالي بهذا..

لقد كان هذا الرجل محامياً، أو طبيباً، أو مهندساً... وربما كان متزوجاً، تنتظره زوجته في نهاية كل يوم، بـعد عودته من العمل، وربما وقفت إلى جوارها طفلة صغيرة جميلة تناديه "بابا"...

لا بد أن هذه الطفلة الصغيرة الجميلة، تنتظره الآن، دون أن تعرف أنه يستند إلى جمجمة أبيهـا المحترقـة تحـت الأرض!!

بـابـا لـــن يـعـود يا حــلــوتي.. لـــن يـعــود.. إنــه رقـــم "657658" من ضحايا الفيروس.. اضطررنا لحرقه كوسيلة فعّالة للقضاء على المرض.. فعلنا هذا من أجلك يـا صغيرتي!!

الرابع كان أكثر الثلاثة إمتاعاً في مراقبته..
لقد كان يعرف هذا الرجل، حين كانوا على أرض الواقع... كان ثرياً ذلك الثراء الفاحش الكفيل برفعه من مرتبة البشر إلى أنصاف الآلهة..

حين أصابه الفيروس، أصابه ذهول غاضب، كأنما نسي حقيقة كونه بشرياً، يصاب بالأمراض كسائر البشر..

وحين أخذوه من قصره المنيف، ليلقوا به في هذه الغرفة، أخذ يصرخ، ويهدد، ويركل، ويقاوم، ثم.. ثم..
ثم ها هو الآن يختبر بضعة مشاعر آدمية ما كان يظن بوجودها..
الجوع.. البرد.. الخوف.. الموت!!

كانت تنتابه نوبات من الضحك، فتتردد ضحكاته الوحشية، في ظلام الغرفة، كطرقات الموت في آذانهم... علام كان يضحك؟؟
لا أحد يدري!!

هو.. هو لا يملك الكثير عن نفسه...
مجرد "هو" آخر يعيش دون أن يضيف لنفسه، أو للحياة شيئاً... مـجـرد تـرس صغـير في الآلة الكبيرة كما يقولون..

وهنا.. في هذه الغرفة تحت الأرض، تبدو كلمات كـ"الأحلام" و"الطموح" و"النجاح" و"الإنسان"، كلمات رخيصة لا معنى لها ولا مذاق..

وحين يأتي الموت، ستحترق هذه الكلمات مع جثثهم لتختفي من الوجود.. هل يصنع ماضيه فرقاً؟؟ هل تشكل خطاياه ذنباً؟؟ هل يقيم أحد لحياته وزناً؟؟!
ربما كان الموت ما يناسبه حقاً..

إنــه يذكر التاريخ... يذكر التوترات.. المفاوضات.. الحروب.. السلام المؤقت، والوعود بغد مشرق مليء بالآمال، حتى ظهر ذلك الفيروس ليبدد كل شيء..

تساءل مرة، ترى.. كيف هي الحياة على سطح الأرض الآن؟؟
كم بلغ عدد الأحياء، وكم بلغ عدد الضحايا؟؟
هل تبقى أحياء على سطح الأرض؟؟.. هل وجدوا علاجاً للفيروس؟؟.. هل يخرجونهم من هنا يوماً ليمنحوهم بضع حقن تشفيهم، واعتذاراً على تخليهم عنهم طيلة تلك الفترة؟؟

هل يفعلونها قبل أن يبلغوا المرحلة السادسة؟؟!
هل يرى الأرض مرة أخيرة قبل موته؟؟ لقد فقد الأمل في هذا منذ زمن طويل..

و فجأة صرخ الثاني:
- إنني أسمع الأصوات!

آخر مواضيعي

 
التوقيع:

  رد مع اقتباس
قديم 29-06-2012م, 05:47 PM   #2
 
الصورة الرمزية بريق
 

بريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond repute

بريق غير متواجد حالياً

افتراضي

(2)

قالها فساد ذعر عجيب في النفوس... لقد بلغ الرجل المرحلة السادسة..


عاد الثاني يصرخ :
- الأصوااات... إنها تصرخ في أذني... لست أقدر على الاحتمااال..

أولى علامات المرحلة هي الأصوات التي يسمعها المصاب بالفيروس، بعد ذلك يدخل في مرحلة الغيبوبة التي ستستمر لساعات.. بعدها يستيقظ المسخ!!

سيتحول المصاب إلى مسخ متعطش للدماء لا يوقفه سوى الموت!!
وفي هذه الحالة لا يعني انتقال الرجل إلى المرحلة السادسة إلا شيئا واحدا..

كان الثاني يتلوى، معتصرا أذنيه براحتيه، وقد برزت عروقه أكثر وأكثر، كأنها على وشك الانفجار، فلم يتحرك هو من مكانه.. فقط تبادل نظرة عميقة مع الثالث الذي ارتج شحمه والرابع الذي بدا عليه الامتعاض..

إنهم يعرفون ما عليهم فعله جيداً.. ناقشوه مرة واحدة وكانت تكفي.. فقط حين يدخل الثاني في مرحلة الغيبوبة..

السؤال هو: من سيفعلها هذه المرة؟؟! لنترك هذا في حينه..

ارتفعت صرخات الثاني تحمل عذابات الدنيا كلها، كأنه يحاول التغطية على صوت الصراخ في أذنه، ثم بدأ في ضرب رأسه في الجدار بلا هوادة، لتتفجر دماؤه..
- الأصواااات... أوقفوا هذه الأصواااات!!

لكن أحدهم لم يحرك ساكناً... لا توجد وسيلة للمساعدة.. وحين يأتي دورهم، لن يساعدهم أحد أيضاً..

هكذا تدور الدائرة التي ستنتهي بجثثهم المحترقة، يستند إلى بقاياها ضحايا جدد ينتظرون دورهم..
ألا يبدو الموقف ساخراً بصورة أو بأخرى؟؟!
حقاً؟؟!!

إن الرجل الذي يتلوى أمامهم الآن سيغدو وجبتهم المثالية بعد جوع طويل.. طويل!!

إن ما يشاهدونه الآن لا يزيد على كونه وجبة تنضج.. تماماً كما ترمق أنت دجاجة في الميكروويف، وهي تنضج.. يسيل الزبد منها لتنتهي بين أسنانك وعظامها في سلة المهملات.. الفارق طفيف للغاية!

سيأكلونه قبل أن يستيقظ هو من غيبوبته ليفترسهم جميعاً..

الآن يسقط الثاني بلا حراك معلناً دخوله في مرحلة الغيبوبة... الآن تحمل النظرات التي يتبادلونها معاني أكثر من اللازم..

والآن يدوي السؤال صارخاً، في الأعين وفي أنفاسهم التي تتردد في صدورهم، في إيقاع مطرد..
-من سيفعلها؟؟!
- حسناً... إننا الآن في مسابقة (اقتلوا هذا الرجل!) ونحتاج متطوعاً، فمن الشجاع الذي سيتقدم؟؟

أطرق هو، كأنما يعلن انسحابه، فسدد الرابع عينين ثاقبتين إلى الثالث، أذابتا الشحم في جسده، وجعلته يهتف منتفضاً:
- لا... لن أفعلها.. لن أستطيع..
- ما عليك سوى أن تجلس على وجهه، وستقتله بوزنك..
- لا..
- فكّر في الأمر... ستمنحه موتاً نظيفاً وسريعاً..
- لا...لا... لا... افعلها أنت..

التفت الرابع إليه هو، وبرقت عيناه بوميض غريب، وهو يقول:
- وماذا عنك؟؟!

هزّ رأسه نفياً، محافظاً على صمته، كأنما ينتمي إلى مكان آخر، وجاء إلى هنا لمجرد المشاهدة، فهب الرابع واقفاً، وهو يقول:
- أوغاد جبناء..

كاد يجيبه بأن "أوغاد جبناء" أفضل من "أوغاد قتلة"، لكنه فضّل أن يلوذ بالصمت.. سنرى مقدار حماس هذا الرجل حين يأتي الدور عليه!

تحرك الرابع ببطء واثق، كأنما يستمد ثقته من إيمان عميق بأحقية ما سيفعله... كأنما هو رسول الموت ذاته، وقد جاء لينفذ مهمة حتمية، اعتاد تحمل عبئها... انحنى على الثاني دون وجل، وطوّق عنقه بقبضتيه، وبدأ يعتصر الحياة منه..

مرت الدقائق كدهر لا ينتهي... أطول ست دقائق مرت عليهم في هذه الغرفة المظلمة... بعدها استلقى الرابع بجوار جثة الثاني منهكاً، ليقول باقتضاب:
- أعتقد أن هذا يفي بالغرض..

لم يجب هو، واكتفى الثالث بدموع صامتة أبلغ من أية كلمات... لقد مات أولهم، وبدأت العجلة تدور..
- سنحتاج لأداة حادة لتقسيم جثته..

قالها الرابع بلا اهتمام، كأنه يتحدث عن قطعة لحم مشوية، فقلب هو شفتيه ممتعضاً، وقال:
- ألن تنتظر حتى يفقد دماءه?
- دماؤه قد تخفف قليلاً من العطش..
- إذن فلقد تحولنا نحن إلى ما كان سيتحول إليه، لو تركناه حياً..
- لا بأس من استباق الأمور... هيا ساعدني في تقسيم الجثة..
- أتنازل لك عن نصيبي... لا رغبة لي في جسده..

منحه الرابع نظرة مخيفة، حتى بدا وكأنه سيتحمل عبء رسول الموت مجدداً معه، لكنه تجاهله، ليقول للثالث:
- وماذا عنك.. هل ستلتهم دموعك السخيفة هذه؟؟

سالت الدموع على شفتي الثالث مدرارًا، وقال:
- سأنضم لك..

ثم وجه حديثه للأول، مبرراً:
- لن أتمكن من تحمل جوعي أكثر من هذا..

أشاح هو بوجهه عنهما وقلبه يخفق كطبول الحرب...
إلى هذه الدرجة؟؟!!

إنسان يتحول لوليمة غداء يقيمها مسخان من مسوخ البشرية؟؟
لكن لا...

ليس هما المسخان...
بل المسوخ هم من ألقوا بهم هنا، محتمين براية البقاء للأصلح...

لا لتهديد الأمن القومي... لنقتل بضعة ملايين..
لا للخضوع لأي قوة... لنقتل بضعة ملايين..
لا لكل من يقف في طريق عجلة التقدم.. ستسحقه العجلة كحشرة.. لذا.. لنقتل بضعة ملايين..!

ولا صوت يعلو فوق صوت المعركة!!
الفرد في سبيل المجموع ولو كان هذا الفرد هو أنت!!


آخر مواضيعي

 
  رد مع اقتباس
قديم 29-06-2012م, 05:51 PM   #3
 
الصورة الرمزية بريق
 

بريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond repute

بريق غير متواجد حالياً

افتراضي

(3)

تناول الرابع إحدى العظام الملقاة من حوله، وكسرها على ركبته ـ عليه اللعنة! ـ وأمسك بطرفها المدبب كأداة مثالية لتقطيع جثة آدمي، مرددًا:

- لسوء الحظ إنه هزيل .. لكن لا بأس .. سيفي بالغرض مؤقتًا..

وفي سره دعا هو أن يكون آخرهم؛ كيلا يلقى مصير الثاني.. الثاني الذي تحرك بغتة!!!

تحرك كمارد الغضب لا يبقي ولا يلوي على شيء.. الرجل كان مخيفًا وهو طبيعي، فما بالكم وقد بلغ آخر مراحل المرض.. فريسة منحت القوة للانتقام من الصيادين..

صرخ الرابع هلعًا، وصرخ هو مبهوتًا، واختنقت الصرخة في حلق الثالث وأصابع الثاني التي امتدت بغته تعتصر عنقه بوحشية.. والبادي أظلم!!

في آخر مراحل المرض لا يفقد المرء ذاكرته لينقلب إلى مسخ متعطش للدماء.. بل يفقد كل ما كان يمنعه عن التحول إلى مسخ مسبقًا.. تتهشم قشرة الحضارة من حوله أخيرًا؛ ليولد الإنسان الحقيقي لأول مرة..
وآخر مرة!!

لماذا لم يتحرك هو؟؟! الواقع أنه سؤال سأله لنفسه مرارًا تكرارًا فيما بعد.. لكنه ـ أبدًا ـ لم يحظ بجواب..

ربما لأنه سئم الحياة فجلس ينتظر الموت ممثلاً في الثاني، بلا وجل..

ربما خشي على حياته من مواجهة الثاني لإنقاذ الثالث..

ربما هي لحظة السعادة الشريرة التي وصفها ديستوفسكي، والتي تمر بأي شخص حين يرى كارثة تصيب غيره بينما هو في مأمن ـ مؤقتًا ـ عنها..

ربما... ربما... ربما... المهم أنه لم يتحرك قط .. لم يحاول حتى.. حتى حين بدأ الثاني في تمزيق جثة الثالث؛ لتتناثر دماؤه على وجهه..

كان مبهوتًا بحقيقة الإنسان.. وحقيقة الموت..!

لكن الرابع تحرك بأسرع مما يتوقع، والتقط عظمة فخذ ضخمة، وهوى بها على رأس الثاني، فارتفع صوت عظام تتهشم.. وسكن المشهد على جثة الثاني تقبض على جثة الثالث، يسبحان في دمائهما، وأمامهما الرابع يلهث كثور..
- هيا.. يجب أن تخرج من هنا..

قالها الرابع، ففغر فمه ذاهلاً:
- ماذا؟؟!!
- قلت لك: هيا.. لن يمضي وقتٌ طويل حتى يستيقظا..
- لكن.. لكن لماذا؟؟!!
- هذه مرتي الأخيرة لأكون صاحب الكلمة النهائية.. وكلمتي النهائية هي أنك ستنجو..
- كيف?!
- ستصعد على الجثث حتى تبلغ فتحة التهوية.. ومن هناك إلى الخارج.. إلى السطح، ربما كان حظك في الأعلى أفضل من هنا.. هيا..
- ماذا عنك؟؟
- أنا لهما.. عرفت هذا منذ اللحظة الأولى لي هنا..

تبادلا لحظة صمت التقت فيها عيونهما، وتلامست أرواحهما لحظة لم ينسها هو قط.. ثم بدءا في تكوين سلم من الجثث الآدمية... وحين وقف أخيرًا على قمة الجثث، قال:
- تعال معي..
- لا مكان لي في الأعلى.. هيا اذهب..

هز هو رأسه متفهمًا، ثم مد أصابعه؛ ليقبض على منفذ التهوية، ولدهشته استجاب له دون مجهود!!

استنفر عضلاته برجاء؛ ليزج بجسده إلى الأعلى، فأنَّت عضلاته، ثم بدأ جسده يرتفع ببطء..

ومن الأسفل هتف الرابع بتوتر:
- أسرع لقد بدءا في الاستيقاظ..

استند بمرفقه على الأرض، ثم دفع جسده إلى الأعلى بحركة سريعة، ليجد نفسه ـ أخيرًا ـ خارج الغرفة..

لآن هو في غرفة ذات باب ونافذة يطل منها القمر صارمًا، ونسمات من الهواء تتخلل المكان من حوله؛ لتجد طريقها إلى صدره..

هل دمعت عيناك يومًا؛ لأن غرفتك بها باب ونافذة؟؟! .. هو دمعت عيناه بعدم التصديق ..!

أتاه صوت الرابع:
- هيا.. ستجد ذراعًا في الجدار المواجه لك.. حرِّكه لوضع التشغيل..
- ما الذي سأشغله بالضبط؟؟
- ستحرق الغرفة وتنقذني منهما..
- مستحيل..

صرخ بها وجسده ينتفض هلعًا، فأتاه صوت الرابع صارمًا:
- افعلها قبل أن يبدءا في التهامي حيًّا..
- بإمكانك أن تخرج هيا.. اصعد على جثثهم وسأمد لك ذراعي..
- لا فائدة من هذا.. لقد استيقظا بالفعل..هيا أسرع.. لا أريد أن أموت هكذا..
- لكن سـ ..
- هيا بالله عليك.. هذا هو أول وآخر شيء أطلبه منك...

كاد يهتف بشيء ما، لكن تلك الزمجرة المخيفة أذابت الكلمات في فمه، ممزوجة بطعم الخوف..

وارتفع صراخ الرابع متوسلا:
- حرّك الذراع.. أرجوووووك..

قالها ثم تصاعد دوي هائل، امتزج فيه صراخه، بصرخات الثاني والثالث الوحشية، كأنه قفص أسود ألقى فيه بحمل مسكين.. وحين تصاعدت الدماء من منفذ التهوية؛ لتبلل قدمه، لم يشعر بنفسه إلا وهو يقفز على ذراع التشغيل؛ ليحركها إلى وضع التشغيل..

للحظة لم يحدث شيء.. ثم بدأ الهول يحدث أسفل قدميه وألسنة اللهب تتلوى مع صراخ الجميع في الأسفل.. وأسفل قدميه ارتفعت حرارة الأرض كالجحيم، فقفز؛ ليعدو مبتعدًا، ودموع المرارة تزيد الظلام من حوله عتمة..

ممرات... غرف.. دَرَج.. ممرات.. ابتعدَ كل هذا لكن الصرخات لم تفارقه..

كان يبحث عن السطح.. سطح الأرض الذي حلم به ليالي طويلة..

لم ينتبه أن المكان كان خاويًا تمامًا.. بل مهجورًا لم تطؤْه قدم منذ زمن..

لم ينتبه أن الظلام من حوله يحمل رائحة عجيبة، لم يعرفها أنف بشري من قبل..

لم ينتبه حين بلغ السطح أخيرًا، أن ثمة شيئا ما تغير في حدود الماديات من حوله..

كل ما كان يريده حينها هو أن يبتعد عن الصرخات التي تجثم على روحه..

وحين فقد وعيه.. لم يعرف أن هذه الصرخات ستصاحبه ما بقي حيًا..

إنها لن تتركه طيلة رحلته الطويلة..
قط..


تمت



آخر مواضيعي

 
  رد مع اقتباس
قديم 29-06-2012م, 06:18 PM   #4
 
الصورة الرمزية منى
 

منى has a reputation beyond reputeمنى has a reputation beyond reputeمنى has a reputation beyond reputeمنى has a reputation beyond reputeمنى has a reputation beyond reputeمنى has a reputation beyond reputeمنى has a reputation beyond reputeمنى has a reputation beyond reputeمنى has a reputation beyond reputeمنى has a reputation beyond reputeمنى has a reputation beyond repute

منى غير متواجد حالياً

افتراضي

أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله

بصراحة مرعبة

وكأن الكاتب جمع أكثر طرق الموت بشاعة في قصة وحدة وعمل منهم كوكتيل ممزوج بأسوء صفات للبشر

لا أملك إلا شكرك

شكرا استاذ اسامه

آخر مواضيعي

 
التوقيع:

إلهي انت تعلم كيف حالي فهل يا سيدي فرج قريبُ

فـ يا ديان يوم الدين فرج هموماً في الفؤاد لها دبيبُ

  رد مع اقتباس
قديم 30-06-2012م, 12:41 PM   #5
 
الصورة الرمزية بريق
 

بريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond repute

بريق غير متواجد حالياً

افتراضي

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة منى مشاهدة المشاركة
أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله

بصراحة مرعبة

وكأن الكاتب جمع أكثر طرق الموت بشاعة في قصة وحدة وعمل منهم كوكتيل ممزوج بأسوء صفات للبشر

لا أملك إلا شكرك

شكرا استاذ اسامه
ايه ده انتي هتستشهدي أختي منى ..

معلش القصة مرعبة شويه

شكرا لمرورك العطر ..

آخر مواضيعي

 
  رد مع اقتباس
قديم 1-07-2012م, 08:26 PM   #6
 
الصورة الرمزية منى
 

منى has a reputation beyond reputeمنى has a reputation beyond reputeمنى has a reputation beyond reputeمنى has a reputation beyond reputeمنى has a reputation beyond reputeمنى has a reputation beyond reputeمنى has a reputation beyond reputeمنى has a reputation beyond reputeمنى has a reputation beyond reputeمنى has a reputation beyond reputeمنى has a reputation beyond repute

منى غير متواجد حالياً

افتراضي

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو النور مشاهدة المشاركة


ايه ده انتي هتستشهدي أختي منى ..:d

يااااااااااارب أدعيلي حد لا قيها

معلش القصة مرعبة شويه

شوية بس د انت طيب قوي

شكرا لمرورك العطر ..
الشكر لك استاذ اسامه

آخر مواضيعي

 
  رد مع اقتباس
قديم 1-07-2012م, 08:35 PM   #7
 
الصورة الرمزية بريق
 

بريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond repute

بريق غير متواجد حالياً

افتراضي

اقتباس
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو النور






يااااااااااارب أدعيلي حد لا قيها

ربنا يوعدنا كلنا يا رب بالشهادة الحقة في سبيله ..

شوية بس د انت طيب قوي
ربنا يكرمك ..




الشكر لك استاذ اسامه

العفو أختي ..

آخر مواضيعي

 
  رد مع اقتباس
قديم 1-07-2012م, 10:13 PM   #8
افتراضي

موقف مؤلم عاشوه الأربعة في جوف غرفة ماتت فيها الحياة وسكنها الرعب
مشاهد ومرادفات مرعبة لمعنى الموت حرقا وقتلا وتنكيلا و..طعاما للغير
وصف لحالة فريدة من انهيار معاني الحياة ؛وانتهاء الانسانية
لأن لوحشية والسادية هي التي سيطرت
أحدها نجا؟
ولكن يدو أن ما ألت له الأمور بارضه أشبه بالكابوس الذي سيظل يرافقه والألم
لا ادري أسامه ..شعرت بلوعة وأسى لما يمكن أن تكون عليه مشاهد لأنتظار الموت
في حالة خيالية لوحشية البشر
مرعب بحق
يسلمو .........رغم الخوف

آخر مواضيعي

 
التوقيع:

"دخول متقطع في شهر رمضان "

  رد مع اقتباس
قديم 4-07-2012م, 05:14 PM   #9
 
الصورة الرمزية بريق
 

بريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond repute

بريق غير متواجد حالياً

افتراضي

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ملك روحي مشاهدة المشاركة
موقف مؤلم عاشوه الأربعة في جوف غرفة ماتت فيها الحياة وسكنها الرعب
مشاهد ومرادفات مرعبة لمعنى الموت حرقا وقتلا وتنكيلا و..طعاما للغير
وصف لحالة فريدة من انهيار معاني الحياة ؛وانتهاء الانسانية
لأن لوحشية والسادية هي التي سيطرت
أحدها نجا؟
ولكن يدو أن ما ألت له الأمور بارضه أشبه بالكابوس الذي سيظل يرافقه والألم
لا ادري أسامه ..شعرت بلوعة وأسى لما يمكن أن تكون عليه مشاهد لأنتظار الموت
في حالة خيالية لوحشية البشر
مرعب بحق
يسلمو .........رغم الخوف
تسلمي غدير للمرور الأكثر من رائع ..

برغم الخوف ..

آخر مواضيعي

 
  رد مع اقتباس
إنشاء موضوع جديد إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

جديد مواضيع قسم قصص وروايات


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
زوجتي .. قصة لد. تامر ابراهيم بريق قصص وروايات 7 4-07-2012م 05:27 PM
في المقهى .. قصة لد. تامر ابراهيم بريق قصص وروايات 6 4-07-2012م 05:05 PM
نحن .. قصة .. د.تامر ابراهيم بريق قصص وروايات 10 1-07-2012م 08:16 PM
لماذا .. قصة لد . تامر ابراهيم بريق قصص وروايات 5 28-06-2012م 11:15 PM
فزع .. قصة لد. تامر ابراهيم بريق قصص وروايات 3 28-06-2012م 11:12 PM






~ جميع آلمشآركآت آلمكتوبهـ تعبّر عن وجهة نظر صآحبهآ ,, ولا تعبّر بأي شكلـ من آلأشكآل عن وجهة نظر إدآرة آلمنتدى ~