المنتدى المتواجدون الآن مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة
العودة   قلعة طرابلس > منتدى إقرأ أونلاين > اقرأ أون لاين لأشهر أدباء العرب والعالم > تامر إبراهيم > قصص وروايات
التسجيل التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويمالمسابقات اجعل كافة الأقسام مقروءة



إنشاء موضوع جديد إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 30-06-2012م, 09:15 PM   #1
 
الصورة الرمزية بريق
 

بريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond repute

بريق غير متواجد حالياً

1 (40) الشىء الذى فى الأعماق .. قصة

الشىء الذى فى الأعماق


يقول السيد "كريم":

اليوم سأحكي لك قصة " الشيء في الأعماق".. تلك القصة التي عثرت عليها في مذكرات القبطان "ديريك ويليامز"..

فأجيب أنا:
أخيرًا..


أعرف أنني تأخرت، لكنني أحسبها تستحق الانتظار..

لتبدأ على الفور إذن..


لك هذا.. تقول الأوراق..


* * *
لن يعرف أحد حقيقة ما حدث على السفينة "برايت نايت"، بل لن يعرف أحد ما حدث أصلاً إلا عبر هذه الأوراق، لذا أرجوكم التركيز والانتباه..

اسمي هو "ديريك ويليامز"، ولست هنا لأكتب مذكراتي، بل لأقص عليك ما حدث ويحدث وجزءا مما سيحدث.. لست هنا لأتحدث عن نفسي لذا لا تتوقع سخفًا على غرار "مر اليوم بلا أحداث" أو "كنت أشعر بالوحدة لذا ألقيت بنفسي لأسماك القرش".. أنا أكره كتابة المذكرات ولا أجد لها ضرورة إلا لو قتل صاحبها.. حينها سيأتي محقق متحذلق ليقرأ عشرات الصفحات من المادة الخام للسخف، قبل أن يعلن أنها لا تدل على القاتل..

ثمة هوس عجيب للمحققين عندنا أن يقرءوا مذكرات من يقتلون.. كأنه يتوقع أن يكتب أحدهم "بعد يومين سيقتلني ويليام.. أرجو أن تقبضوا عليه!".. المهم..
نحن الآن على بعد عشرة أميال من شواطئ إفريقيا.. لقد نفذنا مهمتنا بنجاح، لكننا دفعنا ثمن هذا النجاح باهظًا إذ سقط منّا خمسة رجال، والأسوأ أن جثثهم لم تعد تصلح لنقلها أو دفنها حتى..

لمن لا يعرف أي شيء عن الموضوع، سأشرح أكثر.. منذ أسبوعين استأجرني اللورد "جون مكارثي" أنا وطاقمي لمهمة عجيبة حقًا.. منحني خريطة قديمة بالية عليها علامة جمجمة، وأخبرني أنه عند هذه العلامة يعيش ساحر إفريقي، وعلينا أن نحضره له..

في الأحوال الطبيعية كنت سأرد الرد الذي يليق بمن يريدني أن أبحث عن ساحر إفريقي له، لكن اللورد "مكارثي" منحني من العملات الذهبية، ما يكفيني لأجوب بقاع الأرض بحثًا عن قردة حزينة تتحدث الأوردية، لذا جمعت طاقمي وشرحت لهم المهمة بسرعة، ثم أخرست سخريتهم بأن عرضت عليهم كيس العملات الذهبية، وأخبرتهم أننا سنحصل على المثل لو نفذنا المهمة بنجاح، هكذا أصبحوا على يقين أن قدرهم أن يعثروا على هذا الساحر الإفريقي..

هكذا تبدأ استعدادات الرحلات الطويلة.. تجهيز السفينة المتهالكة.. تخزين الطعام والشراب الخالي من الكحول.. توديع الأهل والأصدقاء.. وأخيرًا حفلة الليلة الأخيرة على اليابسة والتي نريق فيها كمًا من النبيذ يكفي لإشعال روما..

في النهاية تتحرك سفينتي الضخمة "برايت نايت" كمارد خشبي قادر –بمعجزة حقيقية– أن يظل على سطح الماء، وتمر أيام برائحة الملح وطعم الأسماك واللحم المقدد..
تريدون اختصارًا أكثر.. حسنا.. بلغنا الشواطئ الإفريقية بعد رحلة شاقة تعرضنا فيها لعاصفة كادت تغرقنا وتضع حدًا لخطايانا، لكننا نجونا لنبدأ رحلة بحث في الغابات الإفريقية اللعينة عن هذا الساحر المخبول..

وهنا يجب أن أمنحكم بعض التفاصيل، فهي مهمة لفهم "ما حدث" وبالتالي "ما يحدث"..

حين بدأنا رحلة البحث كان الليل قد بدأ يخيّم بظلاله الكئيبة على تلك الغابة التي التحمت أشجارها وأوراقها لتتحول إلى جحيم أسود يعج بالطين والوحوش والحشرات، وكانت المشاعل في أيدينا لا تنير إلا حاملها، لكننا كنا مسلحين بالبنادق والخناجر، وكانت ذكرى كيس العملات الذهبية تملأ قلوبنا بالعزيمة والشجاعة..

علامة الجمجمة على الخريطة البالية كانت دقيقة لدرجة لم أرَها في حياتي على الإطلاق وأنا الذي رأيت مئات الخرائط، لكنني اعتبرت هذا علامة حظ، خاصة وأننا بعد مسيرة ساعات رأينا ذلك القادم مما وراء الأشجار، وبدا الأمر لنا وأن المهمة أوشكت على الانتهاء فأطفأنا مشاعلنا واقتربنا..

لكننا حين اقتربنا من مصدر الضوء لدرجة رؤية ما يحدث وسط الغابة المخيفة، كادت قلوبنا تتوقف هلعًا من هول ما رأيناه..

سأصف لكم المشهد، ثم سأحاول رسمه أسفل الصفحة لأقرب لكم الصورة.. ساحة دائرية حجرية، مضاءة بنيران حمراء ساطعة تخرج من الأرض مباشرة دون حطب يشتعل أو أي شيء قابل للاحتراق، وقرب النيران وقف ذلك الساحر الإفريقي وقد غلفته الظلال ممسكًا بأداة تشبه ريشة التلوين، أخذ يصبغ بها وجه ذلك الرجل الأبيض الواقف أمامه..

لا.. لا.. لم يكن واقفًا.. قدماه لم تمسا الأرض..
لقد كان معلقًا بخازوق خشبي اخترق جسده من أسفل البطن، ونفذ من مؤخرة العنق، ليبقيه معلقًا كالذبيحة.. لكن هذا لم يكن كل شيء..

لقد كان حيًا!!

الرجل الأبيض كان في هذا الوضع وعلى قيد الحياة، بينما الساحر الإفريقي يصبغ وجهه بذلك الطلاء الأحمر العجيب، وهو يحدثه بهدوء هامس، بينما الرجل الأبيض يرد عليها بذات الهمس، كأنهما صديقان قديمان يتناقشان في مسألة ما!

آه.. ولم يكن للرجل الأبيض سوى ساق واحدة، أما الأخرى فقد كانت على بعد أمتار منه وقد انتزعت بطريقة توحي أنها لم تكن جراحية على الإطلاق.. نعم.. هذا هو ما رأيته بالضبط..
في غابة إفريقية وفي الظلام وأسفل وابل من الأمتار لابد أنه قد أغرق سفينتنا ونحن هنا، نشاهد هذا المشهد الرهيب ونتبادل النظرات التي حملت ذات التساؤل..

كيف سيمكننا القبض على هذا الرجل والعودة به للديار؟؟
وهنا يجب أن أؤكد على نقطة مهمة.. لقد تصرفت بما يمليه عليّ المنطق السليم وقررت التضحية بالذهب.. أشرت للرجال بأننا سنعود لسفينتنا من دونه، ولأول مرة منذ عملت مع هذا الطاقم، لم أحظَ بأي اعتراض..

كنًا فقط نوّد الرحيل –وبسرعة– من هذا المكان.. لكن هذا لم يندرج تحت قائمة "ما حدث"..
ما حدث هو أن "ستيفن" -واحد منّا– خطا بقدمه على صخرة زلقة فسقط على وجهه وقد تعلقت يديه بالبندقية ليخرج منها طلق ناري وحيد، تردد دويه كانفجار هائل في هذه الغابة، ليحدث كل شيء بسرعة بعد هذا..


في لحظة تلاشت النيران العجيبة من وسط الساحة الحجرية، وساد الظلام الكئيب على المكان، ثم دوت صرخة "ستيفن" فجأة..

واسمح لي.. أنت لا تعرف "ستيفن" لذا فلا يمكنك أن تعرف ما الذي يعنيه أن يصرخ "ستيفن"..
لقد احترق ظهره من قبل وكاد قرش ثائر أن ينتزع ذراعه، ولم يصرخ في الحالتين وكأنه يدرك أن الصراخ لا يليق بجسده الضخم، لكنه هذه المرة صرخ كما لم تصرخ امرأة فرنسية فوجئت بالألمان يقتحمون مخدعها مدججين بالسلاح..

صراخ صرخنا نحن حين سمعناه..

قبل أن أتمالك نفسي لأصيح:
تراجعوا إلى السفينة.. احموا أنفسكم بالبنادق.. حاذروا أن تطلقوا في وجوه بعضكم البعض..

وحين انتهيت شعرت بشيء ما يمرّ من جواري بسرعة هائلة –وأزعم أنني رأيت عينين تضويان في الظلمة لكنني لست واثقًا– ثم دوت صرخة "بيتر"..
ومع صرخة "بيتر" شعرنا بشيء آخر يتناثر في وجوههنا غير مياه الأمطار..

شيء دافئ لزج له مذاق ملحي مرير.. شيء يسري في عروقنا ونسميه الدماء..

حينها بدأ المهرجان..
الطلقات النارية امتزجت بالعاصفة بالصراخ بزمجرة وحوش الغابة وأخذت الدماء تتناثر كأن السماء تمطر به، وفي النهاية دوى طلق ناري أصاب الهدف المطلوب..

وهذه المرة لم نسمع الصراخ..
فقط هوى جسد الساحر الضخم على الأرض، فتجمعنا حوله لنفرغ بنادقنا في جسده، عاجزين عن الرؤية من فرط الظلمة، قبل أن نتوقف أخيرًا ليسود صوت لهاثنا على الموقف كله..

وكان "جون" أول من تحدث:
- فقدنا خمسة رجال..

+لكنه سقط أخيرًا..

- لكننا فقدنا خمس رجال عليك اللعنة.. لم يكن هذا ضمن الاتفاق..

هنا أعترف أنني رددت:
هكذا سيقسم الذهب على عدد أقل..

وهنا أعترف أن هذا هدأهم قليلاً.. وقال أحدهم:
- هيا بنا إذن..

لكن رددت:
ما هي إلا ساعات قليلة وينبلج الفجر.. لننتظره فلن أتحرك في هذا الظلام..

مرة أخرة لم أحظَ باعتراض، بل جلسنا على الأرض قرب جثة الساحر الإفريقي لأشعر بجسدي يرتعش بشدة، فشكرت السماء على الظلام الذي أخفى هذا عن الرجال..

وفجأة سأل أحد الرجال السؤال المتوقع:
- ما الذي حدث بالضبط؟!!

فكرت طويل، ثم أجبته:
على ضوء الفجر سنعرف.. وسنفهم..


* * *

ثم جاء الفجر بعد طول انتظار، ومرت ليلة لم يستطع أحدنا أن ينام فيها ولو للحظة..
وعلى الضوء الوليد بدأنا في رؤية ما حولنا، ورأيت أنا جثة الساحر الإفريقي بوضوح لأول مرة..

ورأيت –رغم أنني أقسم إننا أفرغنا فيه بنادقنا– أنه كان سليمًا لا يحمل جسده خدشًا واحدًا!!

لم يكن الساحر الإفريقي جثة هامدة كما كان ينبغي له أن يكون..
بل كان ممددًا على الأرض باسترخاء شديد وهو ينظر لي..

ويبتسم!!

آخر مواضيعي

 
التوقيع:

  رد مع اقتباس
قديم 30-06-2012م, 09:19 PM   #2
 
الصورة الرمزية بريق
 

بريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond repute

بريق غير متواجد حالياً

افتراضي

"نواصل قراءة مذكرات القبطان ديريك ويليامز"..
* * *
مكبلاً بالأغلال نقلناه إلى السفينة..
كان هذا قراري ولم يكن مبالغًا فيه... حين يفرغ خمسة رجال بنادقهم في صدر ساحر إفريقي ليجدوه في الصباح سليما كالأفاعي يبتسم لهم ساخرًا، فالقرار الحكيم هو أن تكبله جيدًا بالأغلال قبل أن تنقله إلى أي مكان..

بالطبع طالب الرجال في البداية أن نتركه وننجو بجلودنا، لكني ذكرتهم بالذهب وبدم رفاقهم الذي سيضيع هباء، فعدلوا عن قرارهم ورائحة عدم الرضا تفوح منهم..

لا أنكر أنني كنت أرتجف هلعًا من فكرة أننا سننقل معنا هذا "الشيء" في سفينتنا، وسنقضي معه أيامنا في قلب المحيط، لكنني أخذت أذكر نفسي بالقفص الحديدي الذي أضفته لسفينتي مؤخرًا، لأحبس فيه كل من يخالف أوامري، وهي طريقة -ولو وجدتها قاسية- مجدية للغاية مع قطيع الرعاع الذي أقوده... نعم.. هذا القفص سيستضيف ساحرنا اللعين حتى نلقيه في وجه من يطلبه..

ولو بدر منه أي شيء خلال الرحلة، فسأدفن باقي ذخيرتي في جسده وألقيه إلى أسماك القرش..
لكنني –أعترف- مازلت في أعماقي أرتجف..

هلعًا..


* * *

كانت حالة من الحزن والتوتر تسود السفينة حين بدأنا رحلة العودة..

والواقع أنني كنت أفتقد من هلكوا في الغابة.. طاقم السفينة قطيع رعاع حقًا، لكني لم أعرف رعاعًا سواهم في الثلاثين سنة الأخيرة من عمري، وهكذا تجد أن ما يحتفظ به عقلي من ذكريات يتعلق بصورة أو بأخرى بليالينا على هذه السفينة..

والآن هاهم يرقدون في قبو السفينة جثثًا هامدة في رحلتهم الأخيرة عبر المحيط تاركين لنا حصصهم من الطعام والشراب!

نعم.. كقبطان لسفينة يقودها الرعاع يجب أن أفكر بهذه الطريقة، فالليلة سيحصل من بقى حيًا على ضعف حصته التقليدية من الطعام والشراب، وهذا كفيل بتهدئتهم إلى اليوم التالي وحينئذ سأجد شيئًا آخر للرفع من حالتهم المعنوية..

على أية حال هذه المذكرات ليست لحكي خواطري الشخصية، بل هي لروي ما حدث أيها السادة ومازال أمامنا الكثير لنحكيه..

الواقع أن كل ما حدث حتى هذه اللحظة كان شيئًا أشبه بالنسيم الذي يسبق العاصفة..
العاصفتين لو أردنا الدقة..


* * *


القبطان الذي لا يشعر بالعاصفة قبل حدوثها لا يستحق سوى أن يرتدي ملابس النساء والجلوس في داره جوار إناء الحساء!

لثلاثين سنة أخذت أسمع قصص من هلكوا في البحر لمجرد أنهم لم يعرفوا أن هناك عاصفة قادمة ليتجنبوها، أو ليستعدوا لها بما يمكن الاستعداد به.. لكني وعلى الرغم من هذا أصبت بالهلع حين شعرت بهذه العاصفة القادمة بالذات.. إنها ليست مجرد عاصفة.. إنها الأم الروحية لكل عواصف البحار التي هبت من فجر التاريخ..

العاصفة التي تبدأ وتكتسب قوتها بسرعة قراءتك لهذه السطور.. العاصفة التي يمتزج فيها البرق بالرعد.. التي ترتفع فيها الأمواج إلى حدٍ لم تبلغه الجبال.. التي يصبح طنين الرياح فيها أعلى من صوت صرخاتك... عاصفة كهذه تستحق الاحترام حقًا..
عاصفة كهذه عليك أن تتجنبها أو تهلك..

هنا يأتي عامل الخبرة وأنا لا أملك في هذا المحيط سوى خبرتي.. جمعت من تبقى من رجالي وألقيت لهم بعشرات الأوامر، عالمًا أنهم لو نفذوا نصفها فسيكون هناك أمل بألا يبتلعنا المحيط.. ثم اتجهت أنا لأطمئن أن ضيفنا الإفريقي -الذي أشعر أنه المسئول عن العاصفة بصورة أو بأخرى- سيظل في مكانه حتى نبلغ ديارنا ونحصل على الذهب..

كنت قد وضعته في قفصي المعدني الضيق في أقذر مكان ممكن في قاع السفينة، على أمل أن تصيبه كل أمراض البحر كعقاب مخفف له، لكني حين بلغته في ذلك الركن المظلم الرطب، رأيته يتمدد داخل القفص باسترخاء عجيب، محافظًا على ابتسامته المخيفة..
وكان يأكل!!

بيده الحرة كان يمسك بجثة قرد رمادي ضخم، اختفى أكثر من ثلثي رأسه مخلفًا بعض الدماء حول شفتي الساحر الإفريقي!!!!

قبل أن يتساءل أحدكم، هذا الوغد لا يرتدي سوى مئزر صنع من لحاء الأشجار يستر به عورته، وفيما عداه يلتمع جسده الأبنوسي على ضوء مصباح الكيروسين الذي أحمله، معلنًا أنه لم يكن هناك مكان يخفي فيه هذا القرد حين حملناه على السفينة، وأنا أقسم بقبر أمي إنه لم يحمل شيئًا في يده منذ أن كبلناه، وحتى جئنا به إلى هنا، وبالطبع أنا أعرف أن سفينتي لم يدخلها قرد إلا إذا..
إلا إذا كان أحد الرعاع من رجالي يخفي قردًا على سطح سفينتي دون علمي..

وهكذا استدرت عائدًا للسطح حين ارتفع الصوت الماجن الرهيب لأول مرة، وبلغة إنجليزية سليمة يقول:
- ديرييييييييييييييييييييييييك... هل تذكر أين أخفيت جثة "ماكنيل"؟

- !!!!!!!!!!!!!!!!!!


* * *

في حياتي كلها لم أقامر سوى مرة واحدة، وفي هذه المرة كدت أخسر أهم شيء امتلكته في حياتي على الإطلاق.. كرامتي!

كنت قد احتسيت كمًا يفوق جرعتي المعتادة من الشراب، مما دفع بالشجاعة في عروقي والحماقة في رأسي، فقررت أن أقامر متحديًا "جيمس ماكنيل" شخصيًا.. ولمن لا يعرف منكم "ماكنيل" سألخص لكم قصة حياته في سطر أو سطرين..

صانع أسلحة عقد صفقة حمقاء مع أحد العصابات، فقتلوا زوجته وطفلته الوحيدة وتركوه مختل العقل لا يمارس سوى القمار طيلة الليل والنهار، حتى غدا لا يقهر فيه ولو تحداه أمهر الرجال وأذكاههم..

لهذا لم أستغرق أنا أمامه سوى نصف ساعة كنت قد خسرت فيها كل ما أملك، ومازال عليّ بضعة آلاف من الجنيهات لأسددها له، وكان الرجال في الحانة يحيطون بطاولتنا يتابعون ما يحدث في شغف، حين قدم لي "ماكنيل" عرضًا لم أنسَه قط..

نزع حذاءه القديم القذر لأول مرة منذ أن هلكت أسرته، ووضعه على الطاولة أمامي، عارضًا عليّ إما أن أقبله أو أن أتنازل له عن سفينتي..

تحمس الرجال من حولنا، وهللوا جذلين، ثم نصحني بعض المتهاونين منهم أن أقبل حذاءه وأرحل بسفينتي، لكني لم أحتمل الفكرة حتى.. فأعلنت أمام الجمع أن سفينتي باتت حقًا له ورحلت في سرعة أعض على لساني بحرقة...

في حياتي لم يجرؤ أحد على توجيه مثل هذه الإهانة لي.. ثم أتى هذا الـ.. الـ..

لهذا لن يلومني أحدكم لو قلت إنني انتظرته طوال الليل قرب الحانة، ثم باغته في أحد الطرق المهجورة لأفقده الوعي، وإذا بفوهة بندقيتي قد اخترقت فمه مهشمة أسنانه، ليجد نفسه في آخر مكان قد يفكر أحد في البحث فيه عنه على الإطلاق..
قبر ابنته!!


إنه يقف الآن على الهيكل العظمي الضئيل الذي يحيط به فستان أبيض بال، وهذا هو كل ما قد تبقى من ابنته..

لماذا أقدمت على هذه البشاعة؟.. السن الصغيرة.. الشراب.. الحماقة.. لا يهم الآن ما السبب فمهما ندمت بعد ذلك لن يجدي الندم..

في لحظة أدرك "ماكنيل" أين هو، وعلى عكس كل توقعاتي بدت عليه الطمأنينة، فلم أضِع وقتي معه.. طلقة من بندقيتي.. رأسه الذي انفصل عن جسده يهوي على هيكل ابنته.. ثم جسده يهوي داخل المقبرة لأردمه، ولآخذ سفينتي وأرحل عن هذه المدينة إلى الأبد..

لن يعرف أحد ما حدث أبدًا.. لن يجدوا جثته أبدًا.. لن يخرج هذا السر إلى العلن وسيرافقني إلى قبري يوم أموت...

فقط لم أكن أعرف أنه سيأتي اليوم الذي أحضر فيه ساحرًا إفريقيًا من غابة في قارة تبعد عن موطني آلاف الأميال، ليتضح في النهاية أنه يعرف سري الوحيد!!

* * *


والآن تبدأ حرارة المصباح الكيروسيني في حرق أناملي دون أن أقوى على الحركة، بينما الساحر الإفريقي أمامي في قفصه يواصل بصوته الماجن المخيف:
- "ديرييييييييييييييك"... هل نسيت "ماكنيل"؟.. إن ماسورة بندقيتك لا تزال تحمل آثار دماءه، فهل نسيته؟

هنا أنتزع أنا كلمة:
كـ... كيف؟

كيف عرفت؟.. لا تشغل بالك بهذه السخافات.. فقط فكر فيم سيشعر رجالك لو عرفوا.. هل تريد رأيي؟.. أعتقد أنهم سيغضبون يا "ديريييييييك"... سيغضبون للغاية..

يغضبون !.. سأكون محظوظًا لو أنهم اكتفوا بسلخي وإلقائي لأسماك القرش..

لكن لماذا؟.. من الممكن وضع حد لتسرب هذه المعلومة الآن و..

لا تفكر حتى.. أكثر من عدد أيام عمرك هم من حاولوا قتلي، وانتهى بهم الأمر في جوفي.. ربما من الأفضل لك أن تساعدني..

أساعدك؟!

لمَ لا؟... إنني لا أملك حرية الحركة كما ترى وهذا القرد لن يغني جوعي طويلاً..

يبدأ عقلي المحموم في التركيز..
تريد الطعام؟ .. يمكنني أن..

طعامكم لن أمسه.. إن لي طعامًا أفضل..

عقلي المحموم يستوعب الحقيقة لكنه لا يصدقها، بينما الصوت الماجن يواصل:
أعتقد أن اثنين من الرعاع الذين يقودون سفينتك سيكفيان حتى نصل.. يمكنك أن تبرر اختفاءهما بالعاصفة..

أنت من سبب العاصفة إذن..

أحاول مساعدتك فحسب يا "ديرييييييييييييك".. أسرع فسفينتك لن تحتمل العاصفة طويلاً.. أسرع وإلا سيصغي رجالك الليلة إلى قصة لطيفة حدثت لقبطانهم بسبب بضع أكواب شراب زائدة..

يقرر عقلي المحموم المخاطرة بمحاولة التخلص منه.. على الأقل المخاطرة، لكن هذا الشيء يلقي بشيء ما تحت قدمي، فأقفز مفزوعًا إلى الوراء، لأرى على أرضية القبو الخشبية كل الرصاصات التي أطلقناها عليه من قبل واخترقت صدره..

سأبدأ برجلك القصير ذي الشعر الأشقر الطويل.. ذلك الذي يعرج قليلاً..

فأقول أنا بلا وعي:
"مايك سنكلير"..

إنه ليس اسمه الحقيقي، لكنني سأبدأ به.. ولا تخش شيئًا، فلن أترك عظامه حتى لا تضطر إلى دفنها في قبر أحد أقاربه..

يقولها ثم يطلق ضحكة ماجنة مريعة..

أما أنا..

أما أنا فأخذت أفكر في الطريقة التي سآتي بها بـ"مايك" إلى هنا دون أن يشعر الباقون..
وفي الهول الذي سيحدث بعدها...

آخر مواضيعي

 
  رد مع اقتباس
قديم 30-06-2012م, 09:28 PM   #3
 
الصورة الرمزية بريق
 

بريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond repute

بريق غير متواجد حالياً

افتراضي

( نواصل قراءة مذكرات القبطان ديريك ويليامز)..

* * *
سريعاً سأعرفك بمن بقي حيًا على سفينتي من طاقم الرعاع...
"جون سكوفيلد".. العصبي الذي لا يتوقف عن السباب.. "شين ماكلويد" ملك الخناجر كما يحب أن نسميه.. "دوريان القذر".. الوحيد منا الذي لا يستحم مادمنا على سطح الماء؛ لأنه يعتقد أن هذا يجلب الحظ السيئ، بينما أصر أنا أن هذا لا يجلب لنا سوى رائحته التي لا تطاق.. "ستيفن هوجز" العجوز.. يعرف عن البحار أكثر مما تعرفه أسماك القرش.. وأخيرًا "مايك سنكلير".. أول الضحايا على قائمة الساحر الإفريقي!

أذكركم سريعًا بالموقف.. نحن الآن على بعد دقائق معدودة من أعتى عاصفة بحرية رأيتها في حياتي، وفي قبو سفينتي ساحر إفريقي رهيب، يطلب أن يكون رجلي "سنكلير" وجبته التالية وإلاّ سيكشف سري الخاص بـ"جيمس ماكنيل" الذي قتلته ودفنته في قبر ابنته..
من يعرف منكم التفاصيل كاملة؛ يدرك أنني لا أملك خيارًا سوى طاعة هذا (الشيء) الذي ينتظر طعم اللحم البشري. وإلاّ فمصيري هو إلقائي في قلب العاصفة لأسماك القرش أو ما هو أسوأ..

من يعرف منكم التفاصيل يدرك الآن أنني سألقي بواحد من رجالي في جوف ساحر إفريقي لعين، جلبناه من الغابة إلى حيث سندفع كلنا ثمن هذه المهمة البغيضة.. أنا سأضحي بواحد من رجالي في وقت أحتاج فيه لمن ماتوا سابقًا، فما بالك بمن بقوا أحياءً..

نعم.. يمكنني بسهولة أن أستدرج "سنكلير" إلى القبو، لكن كيف سأبرر اختفاءه فيما بعد؟؟

-لهذا منحتك العاصفة.. الرجال يغرقون في العواصف لو كنت تذكر..

يقولها الساحر الإفريقي بصوته الماجن المخيف، فأتذكر أنني مازلت أقف أمامه أفكر..

-هيا أسرع.. لقد اشتقت إلى طعم الرجال البيض حقًا..

قالها ثم أعقب قوله بابتسامة كشفت عن أسنان، لم أرها حتى في فم أسماك القرش.. وفي عينيه التمع جذل عجيب..

أما أنا.. فعلى الرغم من الرعب الذي ينمو في عروقي وينتشر في كل عضلة في جسمي وتفوح رائحته من أنفاسي، أهزّ رأسي باستسلام..

ثم أذهب لأحضر له "سنكلير"...


* * *

بلهجة لا تخلو من وقاحة أخبرني "سنكلير":
- لا لن أذهب إلى القبو مادام هذا الـ.. الـ.. الشيء هناك.. أرسل "شين" أو "دوريان"..

لكنني أجبته بلهجة لا تقبل النقاش:

- أنا القبطان على سطح هذه السفينة وأنا الذي يقرر من يفعل ماذا.. لذا اهبط إلى القبو وتأكد من أن قفص هذا الساحر محكم الإغلاق، فلا أريد أن أجده على السطح معنا لو اشتدت العاصفة..

- لكن..

صرخت فيه وقد فقدت أعصابي:

-اذهب يا "سنكلير" وإلاّ سأحبسك معه في ذات القفص.. أقسم إنني سأفعلها..

هنا لم يجد "سنكلير" أمامه سوى أن يلعنني في سره ويتجه إلى القبو، بينما وقفت أنا على السطح متابعًا إياه بنظراتي..

و لا أعرف إن كان هذا متعمدً، لكن في اللحظة التي غاب فيها "سنكلير" التمع لسان برق هائل من السماء إلى المحيط..

ثم ومع دوي الرعد هطلت الأمطار فجأة لتضربنا بلا هوادة..

الآن أدرك أنني أحتاج لمعجزة كي أتجاوز هذه العاصفة بأربع رجال فحسب..

الآن أدرك حجم الهوة التي سقطت فيها..

و الآن أشعر بذات الشعور الذي شعرت به حين هوى رأس "ماكنيل" في قبر ابنته وأنا أقف على عتبته والدخان يتصاعد من بندقيتي..

الآن تهمس شفتي لا إراديًا:

- وداعًا "سنكلير"..


* * *

- "سوف تلقي بنا هذه العاصفة اللعينة في قلب الحجيم يا قبطان.. لن ننجو من كل تلك القذارة حتى لو اجتمعت أرواح البحار الحقيرة لتمد لنا يدها العفنة بالعون.."
كان هذا "دوريان" القذر الذي لا تزيد نظافة لسانه عن نظافة جسده.. لذا أجبته:

- سنفعل ما في وسعنا لتجنب العاصفة... لو استسلمنا سنغرق لا محالة..

- أعرف.. لكن عددنا قليل.. أين ذهب هذا الوغد "سنكلير"؟؟

أثار تساؤله الانتباه على سطح السفينة، فكرر "شين":

- نعم.. أين اختفى "سنكلير"؟

جاهدت لأبدو متماسكًا أمام الرجال، وقلت:

- إنه في القبو، يتأكد أن ضيفنا سيبقى في مكانه حتى نصل..

- سأهبط إليه لأحضره..

لكنني صحت بارتياع:

- لا.. أنا سأهبط.. نفذوا أنتم ما أمرتكم به..

ودون أن أمنحهم فرصة للجدال، استدرت متجهًا إلى القبو..

هذه الليلة لن تنتهي على خير..

أنا واثق من هذا..


* * *
كل ما أحتاجه هو أن نتجاوز هذه العاصفة وبعدها يمكنني قيادة السفينة وحدي إلى الشاطئ لو اضطرني الأمر..
إنني الآن في المرحلة التي يفقد فيها المرء عقله ببطء لكن بثقة.. الرجال في الأعلى ينتظرون أن أعود لهم بـ"سنكلير" وأنا وأنتم نعرف أن هذا بات مستحيلاً.. والعاصفة تشتد وتجذبنا نحوها بقبضة لا ترحم، والأسوأ من هذا كله شعور الذنب الحارق الذي يستعر في أعماقي..

أنا من قدت رجالي إلى رحلة لن يعود منها أحد.. بل إنني من يقودهم للمقصلة ودون أن يعرفوا حتى..

-هيييييه... انظر ماذا صنعت لك؟

يدوي الصوت الماجن الرهيب في القبو، فأنتفض وألقي بنظرة سريعة على المشهد أمامي لأفرغ معدتي على الفور كأقل رد فعل لما رأيته..

الدماء تغطي كل شيء.. دماء على الجدران.. على الأرضية.. على السقف لاتزال لزجة دافئة تتساقط قطرات مصدرة صوت "البليك" المقزز.. دماء في الهواء.. على شفتي الساحر الإفريقي وجسده.. على أسنانه وعلى شعره.. على قضبان القفص.. دماء "سنكلير" على صفحة ذنوبي..

- أعتذر عن الفوضى لكنه قاوم كثيرًا.. أنت تعرف كم تكون المقاومة ممتعة.. لقد مرحنا طويلا، لكنني صنعت لك هذه الهدية..

وبذراعه الممدودة خارج القفص ألقى لي بعقد صُنع بشعر وأسنان بشرية..

كل ما تبقى من "سنكلير"..

-هذه هديتي لك... مع تحيات " آرثر"..

باغتني الاسم، فتساءلت:

" آرثر" من؟

-من كنت تظنه "سنكلير".. ألم أقل لك إنه ليس اسمه الحقيقي؟.. هو أيضًا كان يتخفى من ماضيه.. سر قبيح ظل يهرب منه طيلة عمره.. لكن هربه انتهى..

هنا لم أتمالك نفسي من أن أسأل:

- كيف.. كيف تعرف هذا كله؟؟!

ضحك (الشيء) في قفصه، ضحكة ماجنة مريعة، وأجاب:

-أنا أعرف كل شيء.. أعرف وأنتظر.. أعرف وأنتم تأتون إليّ بأنفسكم..

نعم..

نحن من أتينا إليه.. وهو كان ينتظرنا..

من كنّا نحسبه فريستنا، أصبح هو صائدنا الذي ينوي التهامنا واحدًا تلو الآخر..

-والآن أنا أريد " دوريان".. " دوريان" القذر كما تسمونه..

- مستحيل.. الرجال يتساءلون عن "سنكلير".. والعاصفة.. كيف سأنجو منها بثلاثة رجال فحسب؟؟.. مستحيل..

-أنا من بدأت هذه العاصفة وأنا قادر على إنهائها.. أما أنت فلا تملك سوى تنفيذ ما آمرك به..

حاولت المقاومة:

- لكن الرجال يبحثون عن "سنكلير" ولو طال غيابه سوف..

- لكنه قاطعني بصوت ماجن عابث:

-تريدون "سنكلير".. حسن.. سأرسل لكم "سنكلير"...


* * *
أسفل سيل الأمطار وعلى ضوء ألسنة البرق روى لي الرجال على السطح ما رأوه وهم يرتجفون هلعًا..
- اللعنة.. لقد قفز القذر في المحيط.. "سنكلير" اللعين خرج إلينا بوجه صامت وبدون أي تردد قفز في المحيط..

ومؤمنًا على كلام "دوريان" قال "شين":

- الأمواج ابتلعته في ثانية.. لم نملك حتى فرصة إنقاذه..

لكنني كنت أعرف الحقيقة.. أنا أعرف أين انتهى الحال بـ"سنكلير".. لكنني قلت:

- لاوقت لدينا إذن.. به أو بدونه يجب أن ننجو من العاصفة وإلا التهمتنا الأمواج نحن أيضًا..

لكن الرجال تبادلوا النظرات بسرعة، ليقول "ستيفن" العجوز بصوته الواهن:

- قبطان... لقد اتخذنا قرارنا.. نحن لا نريد هذا الإفريقي في سفينتنا..

- ما الذي تقصده؟؟

- سنلقيه في المحيط.. هذا قرارنا ولن نعدل عنه..

صحت في عصبية:

- وأنا سأمنعكم.. هذا الإفريقي سيظل معنا حتى نصل للشاطئ ونأخذ ذهبنا..

مرة أخرى يتبادل الرجال النظرات، ثم يقول "دوريان" القذر:

- توقعنا هذا منك..

- إذن..

- إذن سنضعك في قفص الساحر بعد أن نتخلص منه.. سامحنا يا قبطان، لكنه قرارنا..

قالها ودوى هزيم الرعد ليخرس أي رد من الممكن أن أتفوه به..

أي رد..


* * *

لكنه لم يكن هناك!!!!!!
حين حملني الرجال مكبلاً بالحبال إلى القبو، وجدوا القفص المعدني مفتوحًا، ووجدوا الدماء لا تزال تغطي كل شيء وتتساقط قطرات من السقف، لكن ساحرنا الإفريقي لم يكن هناك..

لم يكن هناك!

لم يكن هناك!

لم يكن هناك!

ورغمًا عني وجدتني أنفجر في ضحك هستيري بينما الرجال يتبادلون النظرات الحيرى، بينما "شين" يردد:

- أين ذهب هذا (الشيء)؟؟

يتساءل وأنا أضحك.. أضحك.. أضحك..

إنه يعرف.. يعرف كل شيء وينتظر..

وإزاء ضحكاتي الهستيرية، لم يجد الرجال سوى أن يلقوني في القفص ويغلقونه عليّ؛ ليعلن "دوريان":

- - سنفتش السفينة بحثًا عنه..

وبينما قطرات الدم تهوي على رأسي من السقف، لتمتزج بضحكاتي، تركني الرجال ليذهبوا بحثًا عن (الشيء)..

وبدأت عملية الصيد..

صيدهم!!


* * *


كم مضى عليّ وأنا في القبو؟؟.. لا أذكر..
فقط أذكر كيف انتهى الأمر..

كيف دخل عليّ "شين" في النهاية والدماء تغطيه، وقد فقد ذراعه اليسرى وشحب وجهه ليقول والدماء تخرج من فمه مع حروفه:

- لقد هلك الجميع.. كلهم هلكوا..

كنت قد أفقت من هوسي لأبدأ رعبي، فصحت ذاهلاً:

- ما الذي حدث؟؟!!

- لا وقت.. يجب أن تنهي الأمر.. يجب أن تنهيه قبل أن ينتهي كل شيء..

ثم فتح القفص ليتهاوى على عتبته، فأسرعت إليه، لينثر الدماء في وجهي من فمه مرة أخيرة:

- يجب ألا يصل هذا (الشيء) للشاطئ.. يجب أن.. أن..

و لم تكفِ حياته ليكمل جملته أبدًا..

فقط استكان جسده إلى الأبد؛ لينجو بنفسه من الهول..

يجب ألا يصل هذا الشيء للشاطئ..

الآن أفهم ما عليّ فعله للمرة الأولى..

والآن أسعى لتنفيذه..


* * *

لكنني قررت أن أكتب ما حدث أولاً..
أخبرتكم أنني أكره كتابة المذكرات، لكن هذه القصة هي الشيء الوحيد الذي يجب أن ينجو، لذا ها أنا أروي لكم ما حدث ويحدث على صفحات من جلد وبحبر يقاوم الماء..

ها أنا الآن أقف في القبو المظلم أنتظر عودة (الشيء)، فلم يتبقَ له سواي، بينما السفينة ترتج رجًا في قلب العاصفة..

العاصفة التي بدأها هو وسأنهيها أنا..

الآن سأتنبأ لكم بما سيحدث وسأضع هذه الأوراق في صندوق معدني منيع سيحتمل ما سيحدث.. فلا أعتقد أنني سأملك المزيد من الوقت..

سيأتي (الشيء) إلى القبو بقامته المديدة ولون سواد الليل وبضحكاته الماجنة وصوته الرهيب، وسيخبرني:

-إنه دورك..

حينها سأجيب:

- أنا مستعد..

-الآن سيكون عليك إيصالي للشاطئ.. هناك سأمرح كثيرًا.. على اليابسة..

لكنني سأتركه يقترب مني بخطواته الواثقة، بينما بندقيتي خلف ظهري..

-
أعرف ما تفكر فيه وما خططت له..
سيقولها، فهو يعرف كل شيء!.. لكني سأتركه يواصل تقدمه إلى الحد الكافي، ثم سأقول:

- اعرف إذًا أنك لن تبلغ الشاطئ أبدًا..

وبسرعة سأطلق النار من بندقيتي على براميل البارود المخزنة في القبو..

وفي العاصفة العاتية سيمتزج دوي الانفجار بهزيم الرعد.. بصرخة (الشيء)، وستتذكر السماء لون انفجار سفينتي إلى الأبد..

نعم.. هذا ما سيحدث تقريبًا أو تمامًا..

لكن هذه هي نهاية مذكراتي..


* * *

وأخيرًا يغلق السيد "كريم" الأوراق ليقول:
- انتهيت..

آخذ أنا وقتي لأستوعب، ثم أقول:

- إذن فلقد ظل هذا الشيء في الأعماق كل هذه السنوات حتى جاءت تلك الغواصة؛ ليحدث فيها ما قصصته عليّ سابقًا..

- بالضبط.. وفي هذه المرة أيضًا لم يبلغ ساحرنا الإفريقي الشاطئ...

عدت لصمتي فترة، ثم قلت:

- أتخيله الآن في أعماق المحيط ينتظر..

لكن ابتسامة خبيثة ترتسم على ركن شفتي السيد "كريم"، وهو يقول:

- الواقع أنه ليس في أعماق المحيط.. لقد بلغ الشاطئ فيما بعد..

- ماذا؟!!!.. كيف؟!

- هذه قصة طويلة جدًا.. سأحكيها عليك لاحقًا، لكنني في المرة القادمة سأقص عليك قصة حدثت هناك.. في الفضاء...

وتتسع ابتسامة السيد "كريم" أكثر، وهو يردف:

- فقط حين نلتقي المرة القادمة..


تمت بحمد الله

آخر مواضيعي

 
  رد مع اقتباس
قديم 1-07-2012م, 08:04 PM   #4
 
الصورة الرمزية منى
 

منى has a reputation beyond reputeمنى has a reputation beyond reputeمنى has a reputation beyond reputeمنى has a reputation beyond reputeمنى has a reputation beyond reputeمنى has a reputation beyond reputeمنى has a reputation beyond reputeمنى has a reputation beyond reputeمنى has a reputation beyond reputeمنى has a reputation beyond reputeمنى has a reputation beyond repute

منى غير متواجد حالياً

افتراضي

قصة جميلة برغم الرعب - واضح إني أخذت حصانة خلاص -

واضح إن تامر إبراهيم كاتب مميز جدا وله أسلوب جميل

كنت قرأت له في السابق قصة "الذي لم يمت " وكانت مرعبة فعلا

شكرا استاذ أسامه

آخر مواضيعي

 
التوقيع:

إلهي انت تعلم كيف حالي فهل يا سيدي فرج قريبُ

فـ يا ديان يوم الدين فرج هموماً في الفؤاد لها دبيبُ

  رد مع اقتباس
قديم 1-07-2012م, 08:13 PM   #5
 
الصورة الرمزية بريق
 

بريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond repute

بريق غير متواجد حالياً

افتراضي

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة منى مشاهدة المشاركة
قصة جميلة برغم الرعب - واضح إني أخذت حصانة خلاص -

واضح إن تامر إبراهيم كاتب مميز جدا وله أسلوب جميل

كنت قرأت له في السابق قصة "الذي لم يمت " وكانت مرعبة فعلا

شكرا استاذ أسامه
بالفعل هي قصة رائعة جداً و مبروك الحصانة هتنفعك قدام لمن أنزل قصص جديدة و لكن أكثر إارعاباً ..

د.تامر موهوب بحق و لكنه مقل جداً حيث يعمل في سيناريوهات الأفلام و المسلسلات و أنت تعرفين لانها تدر دخل مالي أفضل عليه ولا يلام في هذا ..

قرأت الذي لم يمت جرعة الرعب فيها قوية بالفعل ..

شكرا أستاذة منى لمرورك المتميز جداً دائماً ..

آخر مواضيعي

 
  رد مع اقتباس
إنشاء موضوع جديد إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

جديد مواضيع قسم قصص وروايات


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الشيء في الصندوق .. جديد د.أحمد خالد توفيق بريق قصص وروايات 30 19-03-2017م 07:44 AM
21 - لغز الشيء المجهول mersalli ألغاز تختخ والرفاق 3 20-04-2015م 12:22 AM
صور مبهرة لمخلوقات بحرية تضيء الأعماق بجمالها الأخاذ بريق قسم عالم البحار والمحيطات 2 22-03-2013م 09:37 PM
الشيء الذي يستفزني في هذه الحياة فتاة الغروب مقهى واستراحة الأعضاء 6 10-02-2013م 10:13 AM
إنتخابات إسرائيل: المزيد من الشيء نفسه mersalli عين على العدو 4 23-01-2013م 01:58 PM





RSS RSS 2.0 XML MAP HTML

~ جميع آلمشآركآت آلمكتوبهـ تعبّر عن وجهة نظر صآحبهآ ,, ولا تعبّر بأي شكلـ من آلأشكآل عن وجهة نظر إدآرة آلمنتدى ~