المنتدى المتواجدون الآن مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة
العودة   قلعة طرابلس > منتدى إقرأ أونلاين > اقرأ أون لاين لأشهر أدباء العرب والعالم > تامر إبراهيم > قصص وروايات
التسجيل التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويمالمسابقات اجعل كافة الأقسام مقروءة



إنشاء موضوع جديد إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 2-07-2012م, 08:47 PM   #1
 
الصورة الرمزية بريق
 

بريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond repute

بريق غير متواجد حالياً

1 (40) في المقهى .. قصة لد. تامر ابراهيم

في المقهى..

(1)


أتذكر هذا الحلم جيدًا، وأحاول أن أجد له تفسيرًا يرضيني دون جدوى..
لست من المؤمنين بالأحلام، ولا من المروجين لها؛ فأنا يا سيدي الفاضل رجل لا يؤمن بالخرافات ولا يضيع فيها وقته.. فقط النساء وضعاف النفوس يجدون في أي حلم نحلمه أسرارًا وحكايات وتفسيرات تكفي لتغيّر حياتك كلها، ولتنسف كل ما خططت من أجله لو لزم الأمر..

لست ممن يثقلون في العشاء فينامون ليستيقظوا صارخين, مرددين أنه كان كابوسًا، وأن هذا الكابوس علامة من السماء أتتني كي لا آخذ تلك الطائرة أو أتم تلك الصفقة أو أعود لذلك المطعم.. الحلم بالنسبة لي هو مجرد حلم.. نوع من أنواع الترفيه الذي نحصل عليه عند النوم؛ بل هو أشبه بعرض مسائي تشاهده بمفردك على فراشك كل ليلة.. كأنك تدخل السينما على فراشك وبالمجان؛ لكن أن تخرج من السينما معلنًا أن هذا الفيلم سيغير حياتك وإلى الأبد؛ فهذه هي الحماقة كما ينبغي لها أن تكون!

لكن بعض الأحلام يستحق بعض الاهتمام برغم كل شيء..

بعضها يستحق أن يروى, وبعضها لا تجرؤ على تذكره, وبعضها يتكرر بلا انقطاع كل ليلة، وهذه هي مشكلتي أنا..

ليلة أمس كانت الليلة الحادية عشرة التي يتكرر فيها ذات الحلم العجيب, الذي حاولت البحث عن تفسير له يرضيني, دون جدوى.. أكرر.. الليلة الحادية عشرة.. أي أنني لا أبالغ ولا أخالف مبدأي, حين أقول: إن هذا الحلم عجيب حقًا, ويستحق بعض الاهتمام..


لا أحد يحلم بذات الحلم، إحدى عشر مرة متوالية دون أن يشغل تفكيره ولو قليلاً؛ بل إنك ولو أردت رأيي يا سيدي الفاضل فاسمح لي أن أقول..


لا أحد يحلم بالحلم ذاته أحد عشرة مرة أساسًا!!

في أول مرة رأيت فيها الحلم لم أتذكره.. في الثانية شعرت وكأنني رأيته من قبل, ثم وفي الثالثة، وعلى الرغم من نومي كنت موقنًا من أنه ذات الحلم الذي حلمت به في الليلة الماضية..

بعد هذا أصبح الأمر مملاً إلى حد لا يوصف.. أدخل لأنام لأرى ذات الحلم، والذي حتى لو كان ممتعًا مثيرًا؛ فهو لا يستحق أن يتكرر كل هذه المرات؛ فما بالك وهو حلم عجيب لا يثير إلا الفضول؟!
دعني أحكيه لك واحكم بنفسك..


يبدأ حلمي العجيب بي وأنا أسير في ذلك الطريق منكس الرأس كأن هناك ما يشغلني, وهنا تأتي أول ملاحظة.. أنا أرى نفسي من خارج جسدي.. أراني كأنما أرى مشهدًا لي مصورًا بكاميرا سينما شديدة الاحترافية..


المشهد لي في نهار شتوي ضبابي, أسير في ذلك الشارع الشبه خاو في تلك الساعة المبكرة, بخطوات وئيدة متجهًا إلى واجهة ذلك المقهى الزجاجية.. أعبر الشارع بذات الخطوات اللامبالية, ثم أبلغ الواجهة التي تكثف البخار عليها ليحولها إلى لوحة بيضاء, فأمد يدي لأمسح طبقة البخار كاشفًا عمّا خلف الزجاج قبل أن ألصق وجهي بالزجاج البارد لأنظر إلى داخل المقهى؛ لكني -ولأنني أرى المشهد من الخارج- لا أعرف ما الذي أنظر إليه داخل المقهى.. فقط أراني من ظهري وأنا أنظر عبر الزجاج.. أنظر وأرتجف!


وإلى هنا يتوقف الحلم, لأستيقظ تملأني الحيرة ويقتلني الفضول..

ما الذي أتى بي في هذا الطريق الذي أثق أنني لم أسر فيه واعيًا قط؟.. ولماذا اتجهت إلى هذا المقهى بالذات؟ وما الذي رأيته عبر واجهته الزجاجية وجعلني أرتجف؟؟

ثم والأهم من هذا كله..


لماذا يتكرر هذا الحلم كل ليلة, كأنني أنام في قاعة سينما لا تعرض إلا ذات الفيلم؟!

في أول مرة لم أتذكر الحلم.. في الثانية بدا لي مكررًا, وفي الثالثة استيقظت لأحكيه لزوجتي فلم تهتم؛ لكن ومع الليلة السابعة لم تصدقني حتى أقسمت لها أنه يتكرر كل ليلة بذات التفاصيل, ليشغل تفكيرها هي الأخرى؛ لكنها لم تحذُ حذوي وتتوقف عند الحيرة والتساؤل؛ بل بدأت تبحث عن تفسير له في كتب ومواقع تفسير الأحلام, ليبدأ سيل التُرّهات في الانهمار عليّ؛ خاصة حين حكت زوجتي الحلم لصديقاتها ليتطوعن بتفسيرات لا تقل سذاجة عن ما قدمته لي هي بثقة كأنها "بنت سيرين"..


أنت تسير في نهار شتوي، أي: أنك تشعر بالبرد أي الوحدة، أي أنك غير راض عن زوجتك؛ لأنها تشعرك بالوحدة!.. أنت تعبر الشارع ببطء أي: أنك تتمنى أن تدهسك سيارة مسرعة لأنك غير سعيد في حياتك الزوجية (مرة أخرى).. ثم أنا أتجه إلى ذلك المقهى لأنني أبحث عن بديل عن المنزل، وعن زوجتي التي تشعرني بالشتاء, وأنا لا أرى ما الذي يوجد داخل المقهى؛ لأنه لا يوجد بديل لي عن زوجتي، وأنا لا أعرف هذا لكن عقلي الباطن يدركه..


الخلاصة أن هذا الحلم يحذرني من أنني لو حاولت ترك زوجتي, فسوف أصاب بالدرن في الشتاء، وسأموت بسيارة تدهسني لأنني وغد وأستحق الموت جزاء خيانتي!

كان هذا هو تفسير زوجتي بالطبع.. باقي التفسيرات تتلخص في أنني سأحصل على صفقة جديدة في عملي قريبًا، أو سأمر بأزمة صحية خطيرة، أو سأرزق بابن، أو سأصاب بالعقم، أو سأعرف سرًا مهمًا، أو سأصاب بالخبال لأجوب الطرقات ولأعيش مما سأحصل عليه من مسح واجهات المقاهي الزجاجية.. وكلها تفسيرات لا بأس بها أبدًا طالما مصدرها صديقات زوجتي العزيزة, وكل ما عليّ فعله في الفترة القادمة هو عدم أكل الثوم في العشاء والإبتعاد عن المقاهي..
هكذا قررت أن أنسى موضوع التفسير، وأن أتوقف عند نقطة التكرار..

لماذا يتكرر ذات الحلم كل ليلة؟

ومتى سيتوقف؟.. أو..

هل سيتوقف؟؟

* * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * *

لكنه استمر في زيارتي كل ليلة حتى بات النوم في المساء بالنسبة لي, مجهودًا شاقًا لا أطيق احتماله.. تخيل أن تشاهد ذات الفيلم كل ليلة دون أن تفهم منه شيئًا، ودون أن تقدر على تغييره..
تخيل أن تتحول لياليك إلى ذات الروتين مهما فعلت ومهما قاومت.. أيوجد ما هو أسخف من هذا؟

ثم إنه يتوقف كل ليلة عند ذات النقطة تاركًا ذات السؤال معلقًا في رأسي طيلة فترة استيقاظي..

ما الذي أراه داخل المقهى ويجعلني أرتجف بهذه الصورة؟؟

سؤال قادر على التهام عقلك لو مررت بما أمر به, وهي رفاهية لا أملكها أنا للأسف!

فهنا في البورصة حيث أعمل, لا يمكن لأي شيء أن يشغل بالك إلا إذا كان له علاقة بالأسهم والأرقام؛ وإلا فهي نهايتك في هذا المجال وإلى الأبد..

إنه قانون البورصة الراسخ..

الخطأ الأول هو الخطأ الأخير..
لن أشرح لك عملي بالضبط من باب الرحمة؛ لكن هل شاهدت أي بورصة في الواقع أو في التلفاز أو على شاشة السينما؟.. أرأيت ذوي البذلات والسماعات في آذانهم الذين يتحركون كالنحل وهم يصرخون طيلة الوقت دون أن يسمع أحدهم الآخر؟؟.. أنا واحد من هؤلاء..

أحمل حقيبتي وأصرخ في البورصة طيلة النهار, ثم أعود منهكًا لأرتجف أمام المقهى في المساء دون ذنب ودون أن أفهم..

فقط حين حصلت على ثلاث دقائق راحة ذات مرة في العمل, حكيت لأحد زملائي عن حلمي العجيب دون أن أنتظر منه تفسيرًا.. مجرد محاولة للتنفيس كي لا تفتك الحيرة بي لوحدي.. لكن زميلي هذا أصغى لي في هدوء تام, ثم قال ببساطة:
- و لماذا لا تحاول الدخول؟

- ماذا؟!!

- حاول دخول المقهى في حلمك.. خوفك يوقظك كل مرة؛ لكن لو دخلت ستعرف إجابة سؤالك.. جرّب لن تخسر شيئًا..

بالطبع لم يقنعني اقتراحه حينها, بل وجدته ينم عن حماقة لا حد لها..


أولاً: أنا لا أملك أي سيطرة على نفسي داخل الحلم؛ وإلا لما اتجهت إلى المقهى أصلاً.. ثانيًا: لو كان ما رأيته جعلني أرتجف, فلماذا أدخل إليه طواعية؟!.. ثالثًا: من قال أنني لن أخسر شيئًا؟
ربما أموت في الحلم لأهلك على أرض الواقع.. قرأت عن هذا ذات مرة لكن لا أذكر أين.. شيء عن عقلنا البشري الذي لا يجيد التمييز بين الواقع والخيال في ظروف ما, ليتوقف عن العمل لو اعتقد أن الجسد هلك مسببًا الوفاة.. هذا هو العقل البشري الذي لا نملك إلا الاعتماد عليه هنا في البورصة, بعد هذا يتساءل الكل لماذا تنهار البورصة فجأة؟!

المهم أنني قررت تجاهل اقتراحه تمامًا حتى أتى المساء.. حينها قررت أن أجرّب حظي..

سأحاول دخول المقهى في حلمي، وليكن ما يكون..


آخر مواضيعي

 
التوقيع:

  رد مع اقتباس
قديم 2-07-2012م, 08:50 PM   #2
 
الصورة الرمزية بريق
 

بريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond repute

بريق غير متواجد حالياً

افتراضي

(2)

هكذا بدأ حلمي بي وأنا أسير في ذات الطريق الكئيب بذات الخطوات الوئيدة, وبذات الرأس المنكس في ذات النهار الشتوي الحزين..
رأيت هذا الحلم عشرات المرات حتى حفظت عدد الخطوات التي أخطوها قبل أن أبلغ المقهى.. حفظت عدد الأحجار على جانب الطريق وحفظت طول الظلال.. حفظت لون الجدران ورائحة الشتاء.. وحفظت برودة واجهة المقهى الزجاجية إذ تمسها راحة يدي لتمسح البخار المتكثف عليها, قبل أن ألصق وجهي لأنظر إلى الداخل ولأرتجف..

كما أخبرتك سابقًا أنا أرى نفسي من الخارج في حلمي, لذا لا يمكنني أن أرى ما الذي يحدث داخل المقهى بالضبط؛ لكني قررت هذه المرة ألا أسمح بهذه النقطة بإيقاظي كما هي العادة؛ بل سأحاول العمل بنصيحة زميلي بأن أسترخي لأواصل حلمي ولأرى إلى أين سيقودني..
هكذا رأيتني أقف أرتجف أمام واجهة المقهى الزجاجية, فحافظت على هدوئي، وقررت التعامل مع (أنا) الذي أراه داخل الحلم, وكأنه شخص آخر لا أعرفه ولا يمت لي بصلة!
استمر المشهد أطول قليلاً مما اعتدت عليه.. أنا رأيت هذا الحلم عشرات المرات حتى حفظت عدد الثواني التي يستغرقها, ويمكنني أن أؤكد لكم أن هذه المرة الفترة أطول.. صحيح أن المشهد شبه ثابت وأن (أنا) لا يزال في مكانه يرتجف؛ لكني أشعر أن شيئًا ما سيحدث هذه المرة..

مرّت الثواني بطيئة لزجة دون أن يتحرك شيء في المشهد, ثم وفجأة ارتد (أنا) إلى الوراء تاركًا الواجهة الزجاجية, وهو يملأ صدره بالهواء البارد دفعة واحدة, قبل أن يتنهد باستسلام ليخطو إلى داخل المقهى هذه المرة..

تبعته الكاميرا لحسن حظي, فرأيتني أدخل ذلك المقهى أخيرًا حيث تنتظرني إجابة سؤالي الوحيد, فتسارعت ضربات قلبي وجاهدت كي أسيطر على نفسي كيلا أستيقظ لأفسد هذا كله و.. و..

وفي الداخل لم يكن هناك أي شيء يثير الخوف أو الرجفة!!

على العكس تمامًا وجدتني في ذلك المقهى الأنيق شبه الخاوي, أنظر إلى (أنا) الذي اتجه إلى الطاولة جوار الواجهة الزجاجية, ليجلس منتظرًا شيئاً لا أعرفه، وإن بدا عليه مزيج قاس من الخوف والتردد والانتظار..

وعلى الرغم من دفء المكان وتلك الموسيقى الحالمة التي تنساب فيه؛ إلا أنه ظل يرتجف وإن حاول إخفاء هذا أمام النادل الذي اتجه إليه بأدب, ليشير له بما معناه (أي شيء)، وهو شيء استغربته مني جدًا.. في المعتاد أنا لا أطلب شيئًا إلا بعد تدقيق طويل؛ فأنا ممن يشمئزون بسهولة ولا يتخلصون من هذا الإحساس لأيام متواصلة لو تذوقت -مجرد تذوق- أي شيء لا يروق لي؛ ولكن من الواضح أن (أنا) في الحلم لن يشرب ما سيأتي به النادل فهو ليس هنا ليشرب..

إنه هنا لسبب آخر سأعرفه لو.. لو..

لو لم يرن المنبه -عليه اللعنة- جوار فراشي ليوقظني, وليعيدني إلى أرض الواقع محملاً بأسئلة جديدة وبحيرة تتضاعف..

في لحظة كنت في المقهى على وشك أن أعرف كل شيء، وفي اللحظة التالية أصبحت جوار زوجتي على الفراش, أسمعها تسألني بصوت ناعس إن كان الحلم قد تكرر مرة أخرى..
لكني لم أجبها..

فقط هشمت المنبه بقبضتي قبل أن أقوم إلى عملي في البورصة!

* * * * * * * * * * * * * * * * * * * *
قابلت زميلي في العمل فسألني إن كنت رأيت الحلم مجددًا, فحكيت له كل ما حدث.. أخبرته أنني رأيت المزيد؛ فابتسم قائلاً:
- ألم أقل لك؟.. كررها الليلة وسترى أكثر..

وهذا ما كنت أنتويه بالفعل؛ لكن الليل حين تنتظره لا يأتي إلا بعد قرون..
طيلة اليوم وأنا أنتظر أن ينتهي عملي هنا لأعود منهكًا إلى فراشي حيث ينتظرني باقي الحلم؛ لكن كل ساعة أخذت تمر عليّ كأنها يوم كامل؛ بينما قرر عقلي التوقف عن التفكير في البورصة والتفرغ لمحاولة تفسير حلمي العجيب..

مديري المباشر لاحظ هذا وشعر بالقلق؛ فهو يعرف ما قد يحدث لو شردت أو أخطأت, لذا قرر منحي باقي اليوم كإجازة مع تحذير مهذب مفاده أنه لو رآني شاردًا مرة أخرى, فستمتد إجازتي نهائيًا, وسيكون هذا ذنبي أنا لا هو, فلم أعترض..

فقط عدت إلى المنزل لأجلس منتظرًا النوم لتزداد الساعات بطئًا وقسوة..

جرّب أن تتنظر النوم ليلة، وانظر إن كان سيأتيك أم لا.. والأسوأ.. حاول ألا تفكر في شيء ما، وستجد أنك عاجز عن التفكير في أي شيء سواه..

رأتني زوجتي في حالة أرقي هذا, فبدأت نصائحها التي لا تنتهي حول اللبن الدافئ والقصص المملة والاسترخاء البدني الذي يساعد على النوم و.. و..

وفي وسط إصغائي لنصائحها, غلبني النعاس فغبت في النوم..

وعدت إلى المقهى..

* * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * *
وهذه المرة سأختصر عليك الوقت وسأبدأ من لحظة رؤيتي لنفسي أجلس في ذلك المقهى وحيدًا أرتجف وأنتظر شيئًا ما لا أعرفه..
الموسيقى الناعمة تغمر المكان ولا يوجد إلا (أنا)، وتلك الفتاة التي تحتسي قهوتها وهي تتصفح مجلة عن الموضة يبدو أنها لم تفدها بشيء!.. أي فتاة لديها شجاعة أن ترتدي زيًا يمزج الألوان الزرقاء بالخضراء بالصفراء بهذه الصورة, هي فتاة لا تفقه شيئًا عن الموضة، وإن قرأت كل ما كتب عنها.. ثم إن.. لحظة.. هناك شخص ما دخل المقهى ويتجه لي..

رجل في منتصف الثلاثينيات، هو وإن أعطته ملامحه المنهكة بضع سنوات إضافية.. قصير القامة والشعر؛ لكنه ذو ذقن نامية، وملابس تدل على أنها على جسده منذ أيام.. ملابس لا تدل على ثراء بالمناسبة, وهو ليس انتقادًا؛ لكنك لا ترى رجلاً يرتدي هذه الملابس يدخل مقهى أنيق بهذه الصورة إلا لو كان قد أتى ليلتقي بشخص ما..

شخص هو (أنا) كما هو واضح..

ففي اللحظة التي دخل فيها هذا الرجل المقهى رفع (أنا) عينيه له، وقد سرت في جسده انتفاضة واضحة.. (أنا) يخشى هذا الرجل بلا شك وبلا سبب مفهوم.. فقط لو استمر الحلم قليلاً ربما أفهم..

لم يتحرك (أنا) من مكانه ولم يرفع عينيه عن الرجل الذي اتجه له ليجلس أمامه دون أن ينبس ببنت شفة، ودون أن يبادله حتى النظرات.. فقط جلس أمامه، ثم أخذ ينظر إلى الأرض في شرود دام للحظات, لم يفعل فيها (أنا) شيئًا سوى أن ينظر له ويرتجف..

من هذا الرجل؟؟

أنا واثق أنني لا أعرفه، وأنني لم ألتق به قط؛ لكن من المؤكد أن (أنا) يعرفه ليخشاه بهذه الصورة, رغم أن ذلك الغريب لا يبدو مخيفًا بأي صورة من الصور..

بل على العكس تمامًا.. هذا الغريب يبدو بائسًا..

ملابسه.. ذقنه النامية.. جلسته المستسلمة وعيناه الشاردتان الحزينتان..

هذا الغريب لا يوحي بالخوف؛ بل بالشفقة!

طال الصمت بينهما للحظات, قبل أن يرفع الغريب رأسه ببطء لينظر إلى (أنا) نظرة مباشرة لا تعني إلا أنه لا داع للإطالة.. نظرة تعني أنه سيفعل ما أتى من أجله هنا..

وببطء لا تخاذل فيه مدّ الغريب يده إلى جيب معطفه القديم, ليخرج منه مسدسًا صغيرًا, رآه (أنا) فأغمض عينيه في قوة دون أن يحاول الهرب أو الصراخ..

وبذات البطء سدد الغريب مسدسه, وهمس:
- سامحني..

ثم أطلق رصاصة واحدة اخترقت رأسي على الفور!!

******************************

آخر مواضيعي

 
  رد مع اقتباس
قديم 2-07-2012م, 08:53 PM   #3
 
الصورة الرمزية بريق
 

بريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond repute

بريق غير متواجد حالياً

افتراضي

(3)

لحظتها اسيتقظت صارخًا كأنما اخترقت الرصاصة رأسي بالفعل!

أخذت أصرخ بلا انقطاع، فأيقظ صراخي زوجتي التي هبّت من نومها جواري لتبدأ في الصراخ هي الأخرى دون أن تفهم أو تسأل؛ كأنها تنافسني.. لكني حين توقفت أخيرًا ليبدأ جسدي في الارتعاش بقوة, توقفت هي الأخرى لتسألني عمّا حدث؛ فلم أعرف بم أجيبها..

حتى لو كانت لديّ إجابة, فلم تكن لديّ القدرة على النطق بها بعد ما رأيته.. ولحسن حظي لم تطل هي في السؤال؛ بل أسرعت لتحضر لي كوبًا من الماء؛ تاركة لي لحظات معدودة لأتمالك نفسي وأحاول الفهم..

هذا الرجل قتلني!.. قتلني!
رصاصته انطلقت في الحلم ليدور كل شيء بالتصوير البطيء بعدها..


الوميض من فوهة رصاصته مع الدوي الحاد.. الثقب ذو الدائرة المخترقة ينبت في جبهتي... دمائي تتناثر من مؤخرة رأسي لترتطم بوجه الفتاة التي لا تفهم في الموضة.. الفتاة تهب لتصرخ؛ بينما جسدي يهوى والنادل يشهق غير مصدق..

كل هذا والرجل الذي قتلني في مكانه لم يتحرك, والحزن في عينيه يتضاعف كأنه حزين على قتله لي!
كل هذا دار بالتصوير البطيء -إمعانًا في تعذيبي- ثم أظلم المشهد فجأة لأستيقظ صارخًا..

والآن تعود زوجتي الملتاعة وهي تحمل كوب الماء تنتظر مني تفسيرًا؛ لكني لن أمنحها ما لا أملكه..
الشيء الوحيد الذي أعرفه أن ما رأيته ليس مجرد كابوس..
ليس كذلك أبدًا..

* * *


بالطبع يمكنك أن تتخيل حالتي حين بدأت عملي في البورصة في ذات اليوم..

كنت قد استيقظت صارخًا في الثالثة بعد منتصف الليل؛ لكني لم أجرؤ على النوم مرة أخرى.. لهذا قضيت ما تبقى من الليل جالسًا بمفردي أمام التلفاز أصغي لصوت عقارب الساعة وأرتجف محاولاً طرد مشهد قتلي من رأسي دون جدوى، ثم وحين أشارت عقارب الساعة للثامنة، ارتديت ملابسي وانطلقت لعملي ورأسي لا يملؤه إلا مشهد الرصاصة وهي تخترق رأسي!

لم يدم يوم عملي طويلاً لحسن الحظ؛ ففي تمام العاشرة والنصف انتحى بي مديري المباشر جانبًا ليطلب مني تقديم استقالتي.. لقد حذرني سابقًا، وهو لا يمنح أحدًا فرصة ثانية أبدًا؛ لكني رجوته طويلاً، ثم حكيت له كل شيء؛ ليهدأ وليقول:
- مقهى بهذه التفاصيل لا يمكن أن يكون مجرد حلم.. أنت تعرف هذا المقهى جيدًا.. تعرفه وربما تكون قد نسيته.. ابحث عنه فربما يقودك لشيء ما..

ثم منحني أسبوعًا لأتخلص من حلمي، أو لأتقدم باستقالتي أيهما أسهل؛ فلم أجرؤ على لومه.. فقط قبل أن أرحل سألني كيف لم أمت على أرض الواقع، على الرغم من أنني حلمت بموتي حتى النهاية؟

لم أجبه بالطبع، ولم يبد عليه أنه ينتظر إجابة.. فقط هززت كتفي، فقال:
- هذا الحلم غير طبيعي بالمرة.. تخلص منه أو ابحث عن عمل جديد..

* * *

لكني قررت التفرغ للبحث عن المقهى..
صحيح أنه يوجد أكثر من ثلاثة وأربعين ألف مقهى في القاهرة فحسب؛ لكن البحث بينهم أسهل بكثير من البحث عن عمل جديد وأنت تعرف هذا جيدًا.. ثم إنني أبحث عن مقهى أنيق؛ مما يعني أنني سأستبعد ثلاثة أرباع هذا الرقم، وبالتالي سيكفيني الأسبوع في العثور عليه لو كان هذا المقهى في القاهرة.. ولو لم يكن فهي نهاية عملي في البورصة!

المشكلة أنك حين تخبر زوجتك أنك حصلت على إجازة من مديرك، لتتفرغ للبحث عن مقهى تقتل داخله في أحلامك؛ فلا تتوقع منها إلا أن تجمع ثيابها لتتركك حتى تجده أو تجد زوجة تحتمل، وبالتالي أصبح مصير عملي وزواجي متوقفًا على عثوري على هذا المقهى.. دعك بالطبع من مصيري أنا شخصيًا على أرض الواقع؛ فالحلم لم يتوقف عن زيارتي كل ليلة بذات التفاصيل اللعينة، والمسافة التي تفصلني عن الإصابة بالجنون تضيق طيلة الوقت..

بالطبع لم يكن بإمكاني أن أبحث عن قاتل أحلامي؛ فأنا لا أعرفه على الإطلاق وأثق أنني لم ألتق به من قبل قط.. أي أن كل الاحتمالات تدور في النهاية، لتقود إلى ذات النتيجة..
يجب أن أعثر على المقهى.. يجب..

* * *
كعادتي سأرحمك من كل التفاصيل التي لا داعي لها، وسأقفز بك إلى لحظة عثوري على المقهى..

حدث هذا في اليوم الخامس بعد أن كدت أيأس، وبعد أن كاد كابوسي يفتك بي أكثر مرة.. أنا لم أعد أنام إلا لدقائق معدودة كل يوم، وأغلب هذه الدقائق تكون أثناء قيادتي.. صحيح أن النوم أثناء القيادة خطر؛ لكن أن ترى رصاصة تخترق رأسك وأن تقود سيارتك بسرعة في منحنيات الطريق أخطر!

المهم أنني عثرت على المقهى أخيرًا حين قررت أن أتوقف لأحصل على أي شيء يمضغ لآكله في اليوم الخامس؛ لأجدني أشعر بما يشعر به من يمرون بتجربة الديجافو..
أنا كنت هنا من قبل..

هذا الطريق أعرفه..
أعرفه وسرت فيه مرارًا حتى أصبحت أعرف عدد الخطوات التي تفصلني عن واجهة المقهى الزجاجية.. وبعد أن خطوتها وجدتني أرمق المقهى الذي قتلت فيه في أحلامي عشرات المرات!
لكني لم أشعر بالسعادة أو الخلاص؛ بل وجدتني وكما يحدث لي في أحلامي أرتجف!!

لم يكن المشهد كما يحدث بالضبط في أحلامي؛ فالشتاء اقترب لكنه لم يعلن عن نفسه صراحة بعد، ثم إن الساعة الآن تشير للسادسة والنصف مساءً؛ بينما أحداث حلمي تدور بعد الفجر بقليل..

لكني حين تمالكت نفسي لأدخل المقهى، سمعت ذات الموسيقى الهادئة التي سمعتها في حلمي؛ فأيقنت أنني في المكان الصحيح، ووجدتني مطالبًا بالإجابة على السؤال الوحيد المنطقي..

ماذا بعد؟!!
ها قد عثرت على المقهى، والآن ما الذي عليّ فعله؟!

سؤال -أعترف أنني أحمق لكني- لم أفكر فيه قبل الآن، ولا أستطيع الحصول على إجابته بعقل لم ينم ثلاث ساعات كاملة في خمسة أيام، وبجسد منهك من القيادة وقلة الطعام.. هكذا أتاني الحل من النادل الذي اتجه لي ليشير مرحبًا إلى أحد الطاولات؛ فهززت رأسي واتجهت إلى الطاولة المجاورة للواجهة الزجاجية، لأجلس حيث أقتل كل ليلة ولأطلب من النادل -الذي لم يكن ذات الشخص الذي أراه في أحلامي بالمناسبة- أضخم كوب من القهوة يملكه..

هنا أقتل وعلى هذا المقعد تحديدًا.. وهاهنا الآن أفكر فيما أملكه من حقائق..
أولاً المكان حقيقي، وهذا يؤكد أن ما رأيته لم يكن مجرد حلم.. أنت لا تحلم بأماكن بهذه التفاصيل لتجدها على أرض الواقع؛ خاصة لو أضفنا النقطة الثانية، وهي أنني لم آت إلى هنا من قبل أبدًا..

لم أفقد ذاكرتي وأنا أعرف هذا عن نفسي، لهذا لا تتوقع أن يكون هذا كله جزء من ماض خفي لي؛ إلا لو ظننت أنني كنت جاسوسًا محترفًا تعرضت لمحاولة اغتيال هنا، لأفقد الذاكرة ولأعيش حياة مختلفة كموظف في البورصة.. نظرية لا بأس بها، لكن ليست قصتنا للأسف!

أتى النادل بالقهوة فبدأت رائحتها الذكية في إنعاشي قليلاً، وبدأت أفكاري تنتظم أكثر.. ماذا لو كان هذا المكان مررت به قديمًا أو حتى رأيت صورته في مجلة ما ونسيته؛ لكن عقلي الباطن احتفظ به ليستخدمه كمسرح للأحداث في حلمي؟.. تفسير منطقي ويقودنا للسؤال التالي..

لماذا يعذبني عقلي الباطن بحلم عن مقتلي يتكرر كل ليلة؟.. أنا لا أشعر بالذنب تجاه شيء ما لأعاقب نفسي في أحلامي، ثم لو كان هذا المقهى حقيقيًا كما رأيته في حلمي؛ فهل الرجل الذي يقتلني برصاصته حقيقي؟؟
هل رأيته هو أيضًا في مكان ما ونسيته؟

ثم والأهم من هذا كله.. هل سيؤثر عثوري على المقهى على حلمي؟؟

هل سيتوقف هذا كله أخيرًا ليتحول كابوسي إلى مجرد تساؤلات سأنساها مع مرور الزمن؟ أم سيكون عليّ أن أحيا كبائس يحلم بموته كل يوم؟؟

يومها لم أعثر على إجابة واحدة مرضية؛ لكن وبينما أنا غارق في حيرتي، فوجئت بذلك الرجل يقف أمامي مباشرة، وهو يقول بصوت سمعته من قبل:
- أنت من أقتله كل ليلة في أحلامي.. أليس كذلك؟
- !!!!!

آخر مواضيعي

 
  رد مع اقتباس
قديم 2-07-2012م, 09:00 PM   #4
 
الصورة الرمزية بريق
 

بريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond repute

بريق غير متواجد حالياً

افتراضي

(4)

هكذا وجدتني أجلس أمام قاتلي الذي ابتسم لي قبل أن يقول:
- وأنا الذي كنت أظنه مجرد حلم..
- !!
- أتسمح لي بالجلوس؟
ودون أن ينتظر ردي جلس على المقعد المواجه لي, ثم أشار للنادل وإلى كوب القهوة أمامي فيما معناه أنه سيشرب ما أشربه, وهو يؤكد:
- بالمناسبة.. ستدفع أنت ثمن قهوتي.. أنا لن أتحمل أسعار مكان كهذا..

ثم استرخى أكثر في جلسته، وأشار لي بابتسامته الهادئة, ليقول:

- تبدو كما أراك في حلمي.. خائفًا..
قالها -وهو محق- ليدفع بالغضب في عروقي, فاستجمعت نفسي لأنتزع نفسي من صدمتي ولأسأل:
- من أنت؟
لكني كنت أعرف من هو..
إنه قاتل أحلامي الذي ينسف رأسي برصاصته كل ليلة.. إنه هو ولا شك لدي في هذا..
بهدوء أجابني:
- سأخبرك حين تخبرني أنت أولاً.. لقد بحثت عنك طويلاً يا رجل.. عنك وعن هذا المكان.. لو لم أجدك لظننت أنني جننت بعد كل هذه الليالي التي حلمت فيها بأنني أقتلك..
- على الأقل أنت القاتل في أحلامك..
- معنى هذا أنك ترى ذات الحلم.. منطقي.. لابد أن هذا ما أتى بك إلى هنا.. حين رأيتك أدركت أنك لست هنا باختيارك.. أنت مثلي تبحث عن تفسير لهذا كله..
قالها فأتى النادل بقهوته وابتعد, ليقبض قاتلي على كوبه براحتيه ليستمد منه الدفء, قبل أن يقول:
- أعتقد أن الحل الذي نملكه هو أن نساعد بعضنا البعض..
- موافق.. كيف؟
- لنحاول إجابة بعض الأسئلة.. أنا أحلم أنني أقتلك كل ليلة وأنت تعاني من ذات الحلم ومن تكراره.. المشكلة الآن أنه لم يعد مجرد حلم.. المقهى حقيقي وها أنا أجلس فيه أمامك؛ لكن هذا لا يجيب على أول سؤال يشغلني.. هل التقينا من قبل؟ .. أعني.. أشعر أنني لا أعرفك على الإطلاق..
فأجبته وقد سرني أن أجد من يعاني مثلي:
- أنا واثق من هذا.. فأنا أذكر من ألتقي بهم جيدًا وأنت لم أرك من قبل إلا في حلمي اللعين..
- لابد أنك مخطئ.. لا يوجد شخص يحلم بآخر لا يعرفه بأدق التفاصيل، ثم يجده على أرض الواقع.. نحن نعرف بعضنا البعض وإن نسينا هذا الآن.. لكن دعك من هذا السؤال ولننتقل إلى الثاني.. لماذا أقتلك؟
- لم لا تتكرم أنت بإجابة هذا السؤال؟
- لأنني لست بقاتل يا عزيزي.. أنا مدرس فيزياء في مدرسة حكومية، وأعتقد أن ملابسي وهيئتي تؤكد لك أنني لا أنتمي لعالمك أصلاً..
ضايقتني ملاحظته فقررت أن أستفزه:
- تقصد الأثرياء؟
- فلنقل عالم من يستطيعون دخول مقهى كهذا دون أن يصابوا بالقلق من أسعاره.. المهم أنه لولا حلمنا المشترك لما التقينا من الأساس؛ فما بالك بقتلك؟.. أخبرني بشيء واحد قد يدفعني لقتل شخص مثلك؟
لكني لم أملك الإجابة..
إنه محق فيما يقول.. أنا وهو نعيش في عالمين منفصلين, ولا يمكن لمن هو مثله أن يتعامل مع من هم مثلي؛ إلا لو كنت تظن أننا نعيش في المدينة الفاضلة؛ حيث مدرسو الفيزياء يغامرون بأرباحهم في البورصة التي أعمل فيها..
هذا يعني أن سؤالنا الثاني سيظل بلا إجابة ويبدو أنني أضيّع وقتي هنا رغم كل شيء..
أمّا قاتلي فانتقل للسؤال الثالث:
- متى سأقتلك؟
- في الشتاء.. في نهار يوم شتوي.. لا أعرف اليوم تحديدًا لكني أشعر أنه اقترب..
- أنا أيضًا أشعر أنه سيكون هذا الشتاء.. لذا أعتقد أننا لا نملك إلا حلاً واحد..
سألته وأنا عاجز عن تخيل حل وتحد منطقي لما نحن فيه:
- وما هو هذا الحل؟
- يجب أن نبتعد عن بعضنا البعض وعن هذا المقهى طيلة فترة الشتاء..
- ما الذي تقصده؟
فتردد قاتلي وتلاشت ابتسامته الهادئة من على شفتيه, ليقول بصوت حفرت نبراته في ذاكرتي طويلا:
- عزيزي.. نحن لم نجد إجابة واحدة لأسئلتنا وهذا لا يتركنا إلا أمام خيار وحيد.. أن يكون حلمنا هذا نبوءة.. نبوءة ستتحقق لو لم نهرب منها بأقصى سرعة..

* * *

ليلتها قتلت في حلمي مرة أخرى؛ فاستيقظت في منزلي أصرخ وألهث..
كنت قد عدت إلى منزلي -و إن لم تعد زوجتي بعد- لأنام أخيرًا وهو نوم أستحقه بعد عثوري على المقهى اللعين.. لكنه نوم لم يحمل لي الراحة؛ بل ذات المشهد المخيف لقتلي وأنا مستسلم كشاه في أول أيام العيد..
هدأت بعد فترة فأخذت أسترجع آخر ما دار بيني وبين مدرس الفيزياء, الذي ستكون نهايتي على يديه.. وفقًا لنصيحته يجب علينا أن نهرب؛ لكن وفقًا لمنطقي هذه حماقة أرفض أن أنساق وراءها أكثر من هذا..
أنا لن أترك عملي ومنزلي وحياتي, وأبحث عن مكان لأختبئ فيه من حلم لا منطق له ولا تفسير.. نعم أنا متفق معه على أن هذا الحلم هو للنبوءة أقرب؛ لكني لن أفعلها.. لن أهرب..
بالطبع لن أخاطر ولن أعود إلى هذا المقهى أبدًا؛ بل ويمكنني الآن تجنبه بعد أن حددت موقعه؛ لكني لن أدخل في بيات شتوي لأضمن أن حلمي لن يتحقق.. فقط سأظل أعاني من تكراره وهو أمر قد يدفعني للانتحار قبل أن أقتل!
أنا لم أنم منذ زمن طويل ولم يعد بإمكاني النوم..
والسؤال الآن هو ..
هل سأحتمل أكثر من هذا؟
هل؟
* * *
أطول حالة مسجلة لشخص استطاع البقاء متيقظًا بلا نوم هي ثمانية عشر يومًا وواحد وعشرون ساعة.. فقط أصيب صاحبها بالهلاوس السمعية والبصرية وبفقدان جزئي للذاكرة وبضعف عام وبارانويا مزمنة!
المطلوب مني وببساطة هو تحطيم هذا الرقم, لو أردت الذهاب إلى عملي في البورصة دون أن يطارني مشهد قتلي طيلة الوقت.. على الأقل إلى أن ينتهي الشتاء؛ فربما ينتهي الحلم بعدها.. المشكلة الوحيدة أن عملي الوحيد يحتاج لتركيز تام وهو ما يمكنني التظاهر به لفترة..
بالمناسبة زوجتي رفضت العودة إلى المنزل لزوج يخاف أن ينام, وأنا أرى أنها تبالغ في رد فعلها هذا.. كأنها لا تشعر بالأمان إلا على صوت شخيري!.. لكني لن أنكر أن وجودها كان يساعدني على النوم أكثر من اليقظة؛ لذا سأتركها إلى أن ينتهي هذا كله, وبعدها سأرى إن كانت تستحق العودة أم لا..
نظريتي هي أنني سأقتل في الشتاء لو كان الحلم نبوءة؛ لكني لن أذهب إلى المقهى، ولن أنام إلى أن ينتهي الشتاء, وبهذا سأنجو بحياتي وبما سيتبقى لي من عقلي..
كل ما عليّ فعله هو البقاء مستيقظًا لثلاثة أشهر!
* * *
بعد فترة أخبرني مديري أنه سيفتقدني كثيراً؛ لكنه مضطر للاستغناء عن خدماتي..
أخبرني أنه احتمل تصرفاتي طويلاً؛ لكنه لا يستطيع أن يدير عمله في البورصة وأنا آتي إليها بملابسي الداخلية لأرقص وأغني كالمجاذيب.. ليس بعد أن نشرت إحدى الصحف صورتي وأنا بهذه الحالة على الأقل!
لكن لا بأس..
سأخسر عملي وأكسب حياتي.. صفقة عادلة..
المهم أن أواصل لأطول فترة ممكنة..
* * *
غلبني النعاس اليوم فرأيت الحلم بحذافيره لأستيقظ صارخًا للمرة الألف منذ أن رأيته أول مرة..
أكاد أجن لكنه خطأي.. لم يكن يجب عليّ أن أسمح لنفسي بالنوم..
صحيح أن القهوة لم تعد تجدي وأن المنشطات والعقاقير التي آخذها لأبقى مستيقظًا بدأت تساعدني على النوم أكثر من أي شيء آخر؛ لكني سأقاوم..
كل هذا سينتهي لو مرّ الشتاء على خير..
* * *

أريد أن أنام ولو لليلة واحدة دون أحلام..
ليلة واحدة..
ساعة واحدة..
دقائق معدودة حتى!
* * *
من قال: إن هذا سينتهي لو مرّ الشتاء على خير؟!
من يضمن لي أنني لن أقتل في الشتاء الذي يليه؟.. هه؟.. كيف سأستطيع أن أقاوم إذن؟!
هل سأظل مستيقظًا إلى الأبد؟
ولماذا أنا بالذات؟
لماذا يحاول أي شخص قتلي وأنا لا ذنب لي في شيء؟.. لا يوجد أي شيء بيني وبين مدرس الفيزياء هذا؛ فلماذا فعلها؟؟
هل يعاني هو أيضًا حياة بلا نوم أم أنه يستمتع بكل ليلة يحلم فيها بأنه يفجّر رأسي؟؟
الوغد القاتل!.. هو السبب في هذا كله.. تركني أدفع له ثمن قهوته, ثم سيأتي اليوم الذي يقتلني فيه بندم مفتعل, وهو يردد:
- سامحني..
يقولها ثم.. يحرّك ثلاث أو أربع عضلات في يده.. يتناثر مخي على كل شيء في المقهى اللعين!
سيقتلني، ثم سيعود لحياته العادية كمدرس فيزياء في مدرسة حكومية, يقامر بما يتبقى من مرتبه في البورصة!.. لكن لا..
لن أسمح له..
الحل المنطقي كان أمامي منذ البداية وأنا الذي تجاهلته طويلاً..
نعم .. إنه الحل المنطقي والوحيد الذي أملكه..
سأقتل مدرس الفيزياء هذا قبل أن يقتلني!

آخر مواضيعي

 
  رد مع اقتباس
قديم 2-07-2012م, 09:03 PM   #5
 
الصورة الرمزية بريق
 

بريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond repute

بريق غير متواجد حالياً

افتراضي

(5)


إليك كل ما تحتاج إليه لتقتل مدرس فيزياء يعمل في مدرسة حكومية..

سكين حاد فالمسدس يعني ضوضاء تجذب الأعين.. أداة فتح أبواب وهي أداة يمكنك الحصول عليها لو قضيت بعض الوقت في مقاهي هي النقيض التام للمقهى الذي سأقتل فيه.. هناك ستجد خبراء في فتح الأبواب المغلقة.. وأخيرًا قفازات طبية يمكنك الحصول عليها من أي صيدلية لو كنت تريد الاحتفاظ ببصماتك لنفسك..

بعد هذا تأتي الخطة وكلما كانت بسيطة أقرب للسذاجة, كلما كانت أفضل!

التحذلق يفسد أي عملية قتل, وكل محاولة لتنفيذ الجريمة الكاملة تبوء بالفشل؛ لأن من يحاول تنفيذها متحذلقون اعتقدوا أنهم أذكى من أن يلجئوا لخطط ساذجة لينفذوا جريمتهم.. أمّا أنا وبعد أسابيع من عدم النوم, فلا أملك حتى القدرة على التخطيط لجريمة متحذلقة تودي بي إلى حبل المشنقة..

كنت قد عرفت اسم مدرس الفيزياء حين التقيته, وكان هذا يكفيني لأعرف المدرسة التي يعمل بها, فلا تنسَ أن عدد المدارس في بلادنا أقل بكثير من عدد المقاهي!.. بعد أن حددت موقع مدرسته بدأت في مراقبتها حتى رأيته يخرج منها فتبعته دون أن يشعر إلى أن عرفت أن يعيش, ليقودني إلى ذلك الحي الفقير الذي يليق بمدرس فيزياء يعمل في مدرسة حكومية..

لكني كنت حسن الحظ, فلم أجده يعيش في واحدة من تلك الأحياء الصاخبة التي يملأها المارة ليل نهار؛ بل كان المبنى الذي يعيش فيه للانعزال أقرب, وحتى حارسها العجوز كان من النوع الذي ينام بعد صلاة العشاء تاركًا -بضمير مرتاح- البناية عرضة للصوص والقتلة والمغتصبين..

هكذا انتظرت أمام البناية في الليلة التي قررت أن أتخلص فيها من كابوسي, إلى أن ساد الظلام والصمت, لأغادر سيارتي حاملاً كل ما يلزمني لأقتل قاتلي..
وبالطبع كنت أرتجف طيلة الوقت..

لا.. لم يكن ترددًا فأنا واثق من أنني لا أملك حلاً بديلاً, لكني كنت أخشى انكشاف أمري, لينتهي بي الأمر في السجن دون أن أقتله.. حينها سيرافقني حلمي في سنوات سجني إلى أن أجنّ أو أهلك..

على الأقل يجب أن أقتله قبل أن أسجن, وليحدث بعدها ما يحدث..
دخلت البناية فلم أسمع إلا شخير حارسها العجوز, لأواصل طريقي إلى الدرج الذي تراكمت عليه الأتربة والقاذورات.. ومع كل خطوة كنت أخطوها كانت خفقات قلبي تدوي في رأسي بصورة خشيت معها أن توقظ كل من ينامون الآن في البناية.. وفي الطابق الثالث وقفت أمام باب شقته الذي حمل اسمه, فأخذت ألهث لفرط الانفعال واللهفة..

خلف هذا الباب ينام قاتلي الآن يحلم بأنه يفجر رأسي بلا رحمة, ولابد أن هذا يمتعه إلى أقصى حد.. تخيل أن تكون مدرس فيزياء فقير يعيش في بناية كهذه, ولديك الفرصة لقتل ثري مثلي –مقارنة به على الأقل– كل ليلة.. لابد أن هذا سيمنحك متعة لا توصف!

لكن لا بأس.. لينم وليحلم وليقتلني للمرة الأخيرة, فهذه الليلة سأقتله أنا وأضع حدًا لهذا كله..

ارتديت القفاز الطبي ثم أخرجت أداة فتح الأبواب لأبدأ في التعامل مع رتاج الباب بحذر وأنا ألصق أذني به, لأتأكد من أنه لا صوت في الداخل.. سيتم كل شيء بسرعة.. سأدخل.. أتسلل لغرفة نومه.. أغرس السكين في صدره.. ثم سأفر لأنعم بحياة سعيدة هانئة بلا أحلام..
لكن مهلاً..
ماذا لو كانت زوجته ترقد جواره؟
ماذا لو شعرت بي؟
ماذا لو رأتني أغرس سكيني في قلب زوجها؟؟
تخيل ردة فعلها حينها..
مرة أخرى الحلول البسيطة هي التي تجدي.. لو شعرت بي سأقتلها هي الأخرى!

هكذا مرت علي بضع دقائق وأنا أعبث بالرتاج بالطريقة التي تعلمتها ممن ابتعت منه هذه الأداة, إلى أن تعالت التكة المميزة, فأدرت مقبض الباب وفتحته ببطء وحذر..

في الداخل كان الظلام في انتظاري يبادلني النظرات.. وكانت هناك تلك الرائحة التي تميز بيوت الفقراء عن سواها.. رائحة مزيج عجيب من رائحة الثوم ومساحيق الغسيل والغبار والتعاسة..
خطوت بحذر إلى الداخل ثم توقفت لأصغي إن كان أحدهم شعر بي أم لا.. لا أحد..

تقدمت أكثر وأنا أتحسس طريقي لأنتبه إلى أنني -ولحماقتي- لم أحضر شيئًا أضيء به طريقي, فأخذت أتحسس طريقي في الظلام متمنيًا ألا أسقط شيئًا ذا دويّ دون أن أنتبه..

كانت عيناي قد بدأتا تتكيفان على الظلام نوعًا ما, لأدرك أنني أقف في صالة ضيقة يتناثر فيها الأثاث رديء الصنع رخيص الثمن.. أمامي تمتد ردهة تقود لعدة أبواب مغلقة, خلف أحدها يرقد قاتلي.. كأنني في برنامج مسابقات!

خلف أحد الأبواب ينتظرني كنز البرنامج, فهل سأختار الباب الصحيح أولاً؟

بدأت أخطو متقدمًا في حذر شديد, وأنا أرهف السمع طيلة الوقت, حتى بلغت الباب الأول فقبضت على رتاجه وأدرته ببطء شديد حتى انفتح ليكشف لي عن مطبخ ضيق تنبعث منه روائح عجيبة منفرة.. ليس الباب الأول إذن.. لنتقدم إلى الباب الثاني ولنأمل أن يكون حظ المتسابق أفضل هذه المرة..

مرة أخرى أقبض على الرتاج وأحبس أنفاسي, قبل أن أبدأ في إدارته ببطء و.. و..

وهذه المرة شعرت بتلك اليد الضئيلة تقبض على ساقي, قبل أن يتعالى صوت طفولي ناعس يقول:
- أبي؟

انتفضت على الفور وكاد قلبي يتوقف هلعًا, قبل أن أدرك أن من يقبض على ساقي هذا, هو طفل لا يتجاوز السادسة من العمر بأي حال من الأحوال.. طفل رفع صوته فجأة ليقول:
- أبي.. أشعر بالعطـ..
لكنه لم يكملها.. لم أمنحه الفرصة ليفعل..

بسرعة انحنيت عليه لأضع راحتي على فمه كاتمًا صرخاته, التي تأخرت حتى فهم ما يحدث بالضبط.. أنا لست أباه.. أنا شخص ظهر له في الظلام والآن أنا أقيده وأكتم فمه.. لذا لك أن تتوقع كم حاول أن يقاوم..


جسده كله أخذ يتلوى, وبدأ يركلني بساقيه وهو يحاول عضّ يدي التي تغلق فمه بأسنانه الصغيرة, فحملته وتراجعت به إلى داخل الغرفة, محاولاً بالكاد السيطرة عليه, وإيجاد حل للموقف الذي أصبحت فيه..
لقد انكشف أمري!

طفل في السادسة من عمره كشف أمري وأفسد خطتي تمامًا, والآن يجب أن أخرسه لو أردت الخروج منه هنا حيًا, لكن كيف؟
كيف يمكنك أن تخرس طفلاً ينتظر اللحظة التي أبعد فيها يدي عن فمه ميليمترًا واحدًا, ليملأ الليل بصراخه؟
كيف يمكنـ..
لكن صوت مدرس الفيزياء تعالى فجأة من خارج الغرفة يقول:
- أتريد شيئًا ما؟

* * *
أعترف أنني كدت أبلل سروالي في هذه اللحظة!
للحظة فقدت السيطرة على جسدي كله, وتحولت لتمثال يقبض على طفل وينتظر أن يدخل مدرس الفيزياء عليه ليراه بهذه الصورة, ليقتله كأبسط رد فعل من حقه اتخاذه..

للحظة أغمضت عيني وانتظرت نهايتي, وفي اللحظة التالية تعالى صوت امرأة تقول:
- دعه ينام..

فأجابها صوت مدرس الفيزياء:
- حسبت أنني سمعته..
- كنت سأسمعه أنا لو فعل.. دعه وإلا فسيبقى مستيقظًا طيلة الليل ولن ننام نحن حينها..

قالتها ثم ساد الصمت للحظات, قبل أن أسمع صوت خطوات مدرس الفيزياء يبتعد, لتعود لي القدرة على التنفس من جديد, ولأنهار على ركبتي لفرط انفعالي..
نجوت..
نجوت ولو مؤقتًا, والآن عليّ أن أجد طريقة لأقنع بها الطفل ليخرس حتى أغادر منزله.. سأخرج من هنا ولن أعود أبدًا.. سأترك أباه يقتلني في أحلامي كل ليلة فقط لو صمت حتى أبتعد ما فيه الكفاية..

هكذا همست في أذن الطفل, أقول:
- الآن سأتركك.. لكن لو حاولت أن..

لكني وفي هذه اللحظة انتبهت إلى أن الطفل لم يعد يقاومني!
انتبهت أنه تحول إلى مجرد ثقل على ذراعيّ.. مجرد جسد لا حياة فيه!!
أزحت يدي عن فمه الضئيل لأجد أنني كنت أكتم أنفاسه طيلة الوقت دون أن أنتبه إلى هذا, والآن.. الآن لم تعد لهذه المعلومة جدوى..
لم يعد لأي شيء أي جدوى..

* * *
بعد هذا قدت سيارتي مبتعدًا ومشهد جثة الطفل شاخص العينين ينتظرني في أي جهة أنظر إليها..

وحين ابتعدت ما فيه الكفاية, توقفت لأبدأ في الصراخ بلا توقف..
صرخت.. صرخت.. صرخت..
وحين فقدت القدرة على الصراخ اكتشفت أن حافظتي سقطت مني..
في غرفة الطفل!

* * *
الآن أنا أسير في ذلك النهار الشتوي الحزين أتجه إلى المقهى..
أحفظ عدد الخطوات التي تفصلني عن واجهته الزجاجية, وها أنا أخطوها للمرة الأخيرة..

الآن يبدو كل شيء واضحًا لي ولم أعد في حاجة لمن يفسر لي حلمي.. مدرس الفيزياء لم يبلغ الشرطة وهذه رسالة واضحة.. إنه يريدني هناك..
في المقهى..

أبلغ الواجهة الزجاجية فأقف أمامها وأنا أتذكر كيف بدأ هذا كله.. كل ما كان عليّ فعله هو الابتعاد عن المقهى!
أنظر عبر الواجهة الزجاجية، وأرتجف رغمًا عني.. لكنه ليس في الداخل.. لم يأت بعد..
بالطبع..
أتنهد ثم أدخل ثم أجلس ثم ألوح للنادل.. ثم أنتظر..
خلفي تجلس تلك الفتاة التي لا تفقه في الموضة؛ فأعرف أنه اليوم الموعود, وأحاول أن أتوقف عن الارتجاف..
كل ما كان عليّ فعله هو الهرب..

الآن يظهر مدرس الفيزياء بثيابه الرثة وبتلك النظرة الحزينة في عينيه.. نظرة من فقد ابنه وعليه أن يقتل قاتله ليتمكن من النوم حتى لو انتهى به الأمر في السجن..
يجلس أمامي ثم تشرد عيناه الحزينتان بينما أرمقه أنا وأرتجف..
إنه يعرف أنه لم يكن ذنبي.. يعرف أنه الحلم اللعين الذي دمّر حياتي وحياته..
يعرف أنه لولاه لما كنّا هنا ولكان ابنه لا يزال حيًا..
يعرف لكن..
لم يعد لهذا كله جدوى الآن..
أنا وهو نعرف ما الذي سيحدث الآن..

يرفع مدرس الفيزياء عينيه أخيرًا ليمنحني نظرة وداع, ثم يهمس:
- سامحني..
وببطء لا تخاذل فيه مدّ يده إلى جيب معطفه القديم, ليخرج منه مسدسًا صغيرًا, رأيته فأغمضت عينيّ في قوة دون أن أحاول الهرب أو الصراخ..

حولي تنبعث الموسيقى الحالمة فلا أسمع سواها حتى لحظة النهاية..
على الأقل حيث سأذهب لن تكون هناك أحلام..
ولن يكون هناك مقهى..

تمت بحمد الله

آخر مواضيعي

 
  رد مع اقتباس
قديم 2-07-2012م, 10:43 PM   #6
 
الصورة الرمزية منى
 

منى has a reputation beyond reputeمنى has a reputation beyond reputeمنى has a reputation beyond reputeمنى has a reputation beyond reputeمنى has a reputation beyond reputeمنى has a reputation beyond reputeمنى has a reputation beyond reputeمنى has a reputation beyond reputeمنى has a reputation beyond reputeمنى has a reputation beyond reputeمنى has a reputation beyond repute

منى غير متواجد حالياً

افتراضي

فكرة الحلم فكرة مليئة بالقصص ، فمن منّا لا يحلم ولا يحاول تفسير أحلامه !!!!!!!!!!

وطبعا قدر الكاتب أن يمزج بين الكثير من أسرار الحلم

الحلم اللي بيتكرر

الحلم اللي بتتدخل انت فيه

المكان اللي شفته قبل كدا

كلها حالات ممكن أن تجد العديد من البشر مروا بها - وأنا واحدة منهم -

ولكن الصدمة في النهاية - دي بره المنهج خالص -

أن يتصور الفرد أن حلمه هو بالفعل الذي يحدد حياته ومحاولته هو الالتفاف على هذا الحلم هو نوع من اهوس الغير مقبول

ولا أظنه يكون

شكرا للقصة - الكابوس - أخي اسامه

آخر مواضيعي

 
التوقيع:

إلهي انت تعلم كيف حالي فهل يا سيدي فرج قريبُ

فـ يا ديان يوم الدين فرج هموماً في الفؤاد لها دبيبُ

  رد مع اقتباس
قديم 4-07-2012م, 05:05 PM   #7
 
الصورة الرمزية بريق
 

بريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond repute

بريق غير متواجد حالياً

افتراضي

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة منى مشاهدة المشاركة
فكرة الحلم فكرة مليئة بالقصص ، فمن منّا لا يحلم ولا يحاول تفسير أحلامه !!!!!!!!!!

وطبعا قدر الكاتب أن يمزج بين الكثير من أسرار الحلم

الحلم اللي بيتكرر

الحلم اللي بتتدخل انت فيه

المكان اللي شفته قبل كدا

كلها حالات ممكن أن تجد العديد من البشر مروا بها - وأنا واحدة منهم -

ولكن الصدمة في النهاية - دي بره المنهج خالص -

أن يتصور الفرد أن حلمه هو بالفعل الذي يحدد حياته ومحاولته هو الالتفاف على هذا الحلم هو نوع من اهوس الغير مقبول

ولا أظنه يكون

شكرا للقصة - الكابوس - أخي اسامه
بل الشكر لك أختي منى للمرور الأكثر من رائع ..

يسلموا ..

آخر مواضيعي

 
  رد مع اقتباس
إنشاء موضوع جديد إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

جديد مواضيع قسم قصص وروايات


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
بلا أطراف .. قصة لد. تامر ابراهيم بريق قصص وروايات 12 10-05-2013م 05:01 PM
برتقالي قصة لد. تامر ابراهيم بريق قصص وروايات 5 4-07-2012م 04:48 PM
نحن .. قصة .. د.تامر ابراهيم بريق قصص وروايات 10 1-07-2012م 08:16 PM
لماذا .. قصة لد . تامر ابراهيم بريق قصص وروايات 5 28-06-2012م 11:15 PM
فزع .. قصة لد. تامر ابراهيم بريق قصص وروايات 3 28-06-2012م 11:12 PM






~ جميع آلمشآركآت آلمكتوبهـ تعبّر عن وجهة نظر صآحبهآ ,, ولا تعبّر بأي شكلـ من آلأشكآل عن وجهة نظر إدآرة آلمنتدى ~