<div style="background-color: none transparent;"><a onclick="_gaq.push(['_trackEvent', 'Outgoing', 'news.rsspump.com', '/']);" rel="nofollow" href="http://news.rsspump.com/" title="rsspump">news</a></div>
  • تابعوا جديدنا في تلفزيون القلعة
  • الأخبار العاجلة منتديات قلعة طرابلس     
    التميز خلال 24 ساعة
     الفارس المميز   الموضوع المميز   المشرف المميز    المراقب المميز 
    قريبا

    قريبا
    قريبا

    المنتدى المتواجدون الآن مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة
    العودة   قلعة طرابلس > المنتدى الإسلامي > القسم الاسلامي العام > قسم القران الكريم
    جروب المنتدى على الفيس بوك ادخل واشترك معانا
    التسجيل اكثر المتميزين خلال 7 ايام ! التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويمالمسابقات اجعل كافة الأقسام مقروءة



    إنشاء موضوع جديد إضافة رد
     
    LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
    قديم 8-11-2012م, 05:09 PM   #1
    افتراضي سورة يوسف عليه السلام وقفات تأملية

    بسم الله الرحمن الرحيم
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،
    قبل البدء بتقديم الموضوع أردناها وقفة للأمانة ،
    هذا البحث إعداد صديق لي اسمه رفعت فرخ ،
    فمن استفاد .. فليدع له هو لا أنا ،
    وبوركتم جميعًا.

    آخر مواضيعي

    إلى من يسأل عن إصدارات المؤسسة العربية الحديثة 2017
    محامية في باب الحارة الثامن
    مأساة تتعرض لها عائلة عصام في باب الحارة الجديد
    خادمة جديدة في باب الحارة الثامن والنمس يحبها
    أبو عصام يصطدم مع المهندس في باب الحارة الثامن والتاسع

     
      رد مع اقتباس
    قديم 8-11-2012م, 05:11 PM   #2
    افتراضي

    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله رب العالمين , والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين محمد وعلى آله الطيبين , وصحابته الغر الميامين , وزوجاته الطاهرات أمهات المؤمنين , ومن سار على نهجهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين ,
    أمّا بعد ،
    فهذه كلمات يسيرات , وتأملات واضحات , في سورة الصدّيق يوسف عليه السلام , ليس القصد منها استخراج الأحكام الشرعية من هذه السورة العظيمة بقدر ما هو تسليط للضوء على المعاني الحيـاتـيـة , والصـور البـديـعـة والبيــانيـــة ، في هذه السورة الكريمة , لأن فيها كنوزاًومعاني جليلة , حُقَّ للآذان أن تسمعها , وللقلب أن يعييها , وللقلم أن يخط مدادها , وهي باقية خالدة ما دامت السماوات والأرض ؛ من هذه التأملات :
    1ــ إنها سورة فوق الحديث ودون القرآن . ذاك أن الصحابة لما ملّوا ملّةً قالوا : يا رسول الله حدثنا فوق الحديث ودون القرآن , فأنزل الله : "نحن نقص عليك أحسن القصص " , فهي من أوائل قصص القرآن الذي أنزله الله تعالى لدفع المَلَل وأخذ العِبر , وهي أحسن القصص ...
    2ــ إن يوسف عليه السلام هو ولد يعقوب العبراني الكنعاني . بيع في مصر في عهد الغزاة الأجانب الذين يُسمَّون بالهكسوس , وهم فيما يبدو ساميون , قدموا إلى مصر من بلاد الشام واحتلوا دلتا النيل عام 1730 ق.م. وحكموا حوالي قرن ونصف القرن , قبل أن يطردهم أُحمس الأول .
    3ــ إن القرآن الكريم قد أُنزل باللغة العربية , وقد تحدى الله سبحانه وتعالى العرب الذين يتحدثون هذه اللغة أن يأتوا بعشر سور مثله , ثم بسورة مثله , ثم بسورة من مثله (أي قريباً منه ) , ومع هذا لم يستطيعوا , ولن يستطيع أحد أن يأتي بمثل هذا القرآن العظيم , الذي خشعت له قلوب العرب ، والبلغاء ، والفصحاء , فمنهم من آمن ومنهم من أصر وعاند , ولكنه اعترف بأن هذا القرآن ليس من عند بشر.
    4ــ إن ما حدث ليوسف عليه السلام في منامه هو ضرب من ضروب الإلـهـام ؛ وهو خطاب يُلقى في قلب المخاطَب . فالله سبحانه وتعالى أراه رؤية منامية أن أحد عشر كوكباً والشمس والقمر له ساجدين ؛ وهـي رؤيا ، والرؤيا من الله تعالى, وهي لمّة الملك ، كما في الحديث : " إن للملك لمّة بقلب ابن آدم وللشيطان لمّة , فلمة الملك إيعاد ٌ بالخير وتصديق بالوعد , ولمة الشيطان إيعاد بالشر وتكذيب بالوعد " .
    5ــ إن حكمة الأب (يعقوب عليه السلام) في التعامل مع أولاده على الوجه الصحيح قد ظهرت جلياً حين منع ابنه يوسف من ذكر الرؤيا لإخوته , مع أنها رؤيا خيرٍ وبشرى . وقد فسّر ذلك بقوله : " فيكيدوا لك كيداً " . وفي هذا دليل على فراسة يعقوب عليه السلام , إذ استدل من المسموع على باطنه وخفيه ، وعلم أنَّ علامات الحسد والعداوة والبغضاء ستظهر من إخوة يوسف إذا ذكر لهم هذه الرؤيا .
    والفراسة هي استئناس حكم غيبي من غير استدلال بشاهده ؛ وهي ثلاثة أنواع:
    أ ــ إيمانية : وهي نور يقذفه الله في قلب عبده ، يفرق به بين الحق والباطل ، والصادق والكاذب . وفي الفراسة الإيمانية يقول ابن مسعود : أفرس الناس ثلاثة : العزيز في يوسف حيث قال لامرأته : " أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً " ، وابنة شعيب حين قالت لأبيها : " يا أبت استأجره " ، وأبو بكر في عمرــ رضي الله عنهما ــ حيث استخلفه . وفي رواية أخرى : وامرأة فرعون حين قالت : " قرّة عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً " .
    ب ــ فراسة الرياضة والجوع ، والتخلي والسهر .
    ج ــ فراسة خَلقية وهي التي صنّف فيها الأطباء وغيرهم ، واستدلوا بالخلق على الخلق .
    6ــ لقد قال يوسف عليه السلام : " يا أبتِ " ، ولم يقل : يا أبي ، لما في لفظة " يا أبتِ " من الحنان والرقة اللذين يحتاجهما .
    7ــ " إنَّ أبانا لفي ضلال مبين " . لم يريدوا ضلال الدين ، وإنما أرادوا (الخطأ) ، إذ فضَّل يوسفَ وأخاه (بنيامين) عليهم .
    8ــ لقد بدأت المؤامرات والحيل تظهر من إخوة يوسف . وهذا شأن الولد الصالح الذي ينشأ نشأةً صحيحة بين إخوة ماكرين ، فهو يحسّ نفسه غريباً بينهم لأنه ارتقى إلى شأن أعلى منهم . ليس معنى هذا أن إخوة يوسف لم يُربوا تربيةً صالحةً ، وإنما أخطأوا حين رأوا بعين الباطل تفضيل الأب لابنه البار ، ولو تمثلوا بيوسف لكان خيراً لهم . وفعل الأب هذا له أسبابه ، فالولد الصالح عون لأبيه .. أما الاتفاقات التي حاكوها ضد يوسف عليه السلام فكانت على نوعين : إقتراح بالقتل النهائي ، واقتراح بالتغييب النهائي في الجب ، ( والجب : هو البئر المبني بغير الحجارة من داخله بعيد القرار ) ، واعتمدوا الاقتراح الثاني ليخل لهم وجه أبيهم وحبه ، ويتوب الله عليهم ـــ بزعمهم ـــ ، ويقبل أبوهم اعتذارهم .
    نلاحظـ في تصرف إخوة يوسف كيف أنهم نسوا أنه أخوهم ، وأخَذهُم الشيطان على غرّة ، ولم يبالوا بمصيره . وهذا أبعد ما يصل إليه المرء من البغض والحسد والعداوة ، حين يفكر بقتل محسوده ، أو يتركه يصارع مصيره ، فإما أن يموت ، وإما أن يلتقطه أحد الناس المارّين وبذلك يبتعد من حياته .
    وكان رصد الحيلة بأن يتحجّجوا بأخذ يوسف للّعب معهم ، ولكنّ يعقوب عليه السلام قد علم أنهم يبيّتون لأمر ، ولكنّ الله تعالى قد قضى أمراً كان مفعولاً .
    وكان اعتذار يعقوب عن إرسال يوسف معهم بأمرين :
    الأول : أن يوسف ما زال صغيراً ، لا يستطيع الدفاع عن نفسه .
    الثاني : خوفه عليه من الذئب أن يفترسه .
    9ــ إن إخوة يوسف ــ غير بنيامين ــ كانوا بني الإماء . أما يوسف وبنيامين فكانوا أشقاء أحراراً .
    10ــ " وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين " . قولهم هذا يدل على الارتياب ، وهذا كما يقال في الأمثال ( يكاد المريب يقول خذوني ) . ولقد رجعوا إلى أبيهم في ظلمة الليل ومعهم قميص يوسف وقد لطّخوه بدم شاةٍ ذبحوها ، ليوهموا أباهم أن الذئب أكله ، ولكنّهم نسوا أن يمزّقوا القميص ، فلم يفلحوا في هذا الكيد والمكر وانكشف أمرهم ، وكأن الذئب كان حليماً بيوسف فأكله دون أن يمزق قميصه . وهذا شأن أغلب الحيل ، إذ تودي بصاحبها إلى انكشاف أمره ، فليس هناك حيلة مكتملة تماماً على الأغلب .
    11ــ إن الله عز وجل أراد أن يكون ليوسف عليه السلام شأناً عظيماً ، فأبعده عن جوّ بيته المليء بالحسد والعداوة من قِبَل إخوته ، وجعلهم يبعدوه بأيديهم وكأنهم قد ساقوه إلى مستقبل زاهر بأنفسهم وهم لا يشعرون .
    إن هذه الطريقة بإبعاد يوسف ، والتي اقتضت برميه في الجبّ وتعريضه للخطر ، تظهر للعيان بأنها ظلم له وعدم مبالاة به . ولكنّ الله العزيز الحكيم أراد حمايته من إخوته فاختار له الجب ليكون المرحلة الاولى على طريق المستقبل الزاهر والحياة السعيدة والمركز الهامّ . والله سبحانه أعلم بحال عبده من عباده , فتكفل بحمايته وحفظه ، وبعث به مع رجل وامرأة هما عزيز مصر وامرأته ، ليقيم بقصر مشيّد تمهيداً لما ينتظره من السعادة والوظيفة الهامّة .
    12ــ " أكرمي مثواه " : أي اجعلي محلّ إقامته كريماً مرضياً . نلاحظ كيفية تعامل العزيز مع يوسف , على غرار ما فعل إخوته به .
    13ــ " والله غالب على أمره " : أي لا يقهره أحد ، فالأمر كله بيده يصرّفه كيفما يشاء .
    14ــ " وراودته التي هو في بيتها عن نفسه " : تتوالى المحن على يوسف عليه السلام ، وكذا حال كل من نذر حياته لله وفي سبيل الله ، ويوسف ثابت على دينه ، راسخ إيمانه ويقينه بالله عز وجل رسوخ الجبال . فبعد فتنة إخوته وإلقائهم إياه في قعر البئر ، جاءت فتنة النساء ، وهي أعظم الفتن . والأمر متاح ليوسف ليفعل ما يشاء ، فماذا يفعل يوسف ؟ ماذا يفعل الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ؟ يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ، (كما قال عليه الصلاة والسلام ) ، وهو شاب في غاية الجمال والبهاء ، والمرأة قد فعلت أموراً تخدم غايتها . إنها أمور عشر ، إجتمعت لهذا الغرض :
    إنها في غاية الجمال ، والمال ، والمنصب ، والشباب ، وغلّقت الأبواب ، وتهيّأت له وتصنّعت ، ولبست أحسن الثياب ، وهي التي تريد ذلك ، كما أنها امرأة العزيز ، وابنة أخت الملك (صاحب مصر ) .
    كلّ ذلك لم ينفع مع يوسف عليه السلام الذي حماه ربه جل جلاله ، وعصمه من فتنة النساء ومكرهم ، وقال : " معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي " . إنها كلمة عظيمة ، صدرت من شاب في مقتبل العمر ، يشتهي النساء ، لأنه لم يكن حصوراً ، إلاّ أنه كان أعظم من ذلك ، كان ذاكراً لله فعصمه الله تعالى .
    15ــ " وهَمَّ بها ، لولا أن رآى برهان ربه " : أي لولا أن رآى برهان ربه لهمّ بها ، ولكنّه وجد البرهان فانتفى الهمّ ، كما تقول : قارفتُ الذنب لولا أن عصمني الله ، ويشبهه قوله تعالى : " وأصبح فؤاد أمّ موسى فارغاً ، إن كانت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها " ؛ فلولا أن ثبتها الله ، لصاحت ابنــي .

    آخر مواضيعي

    إلى من يسأل عن إصدارات المؤسسة العربية الحديثة 2017
    محامية في باب الحارة الثامن
    مأساة تتعرض لها عائلة عصام في باب الحارة الجديد
    خادمة جديدة في باب الحارة الثامن والنمس يحبها
    أبو عصام يصطدم مع المهندس في باب الحارة الثامن والتاسع

     
      رد مع اقتباس
    قديم 8-11-2012م, 05:11 PM   #3
    افتراضي

    16ــ إن يوسف عليه السلام لم يقترف ذنباً مع امرأة العزيز ، وحاشاه أن يفعل ذلك ، ولكن من سيسمع ليوسف ويصدّقه ، ويكذب امرأة العزيز وسيّدة البيت ؟ فهو بحاجة إلى شاهد حق من طرف امرأة العزيز .
    17ــ " وشهد شاهد من أهلها " ؛ قيل كان صغيراً في المهد ، وقيل كان رجلاً من أهل بعل امرأة العزيز ، وقيل قريباً منها . ولكنّ الأهم من ذلك كله أن الله عز وجل لا يرضى الظلم بعباده ، وخصوصاً من عباده المخلَصين ، فاقتضت حكمته جلّ في علاه أن يشهد شاهد ضدّ امرأة العزيز التي اتَّهمت يوسف وهي المتَّهَمة ، وبرّأت عرضها ، ونزّهت ساحتها ، كما يُقال في الأمثال : ضربني وبكى ، وسبقني واشتكى . فظر الحق وبطل ما كانت تخطط له امرأة العزيز . وإلى دعاة حرية المرأة الدجّالين أقول : إنّ الله عز وجل قد أكرم المرأة ورفع من قدرها ، وأرادها أن تكون عزيزة في بيتها . ولأجل ذلك حرّم خلوة الرجل بالمرأة الأجنبية عنه استبراءً لها ، واستنقاءً للمجتمع وتطهيراً له من أوحال الرذيلة ليرتقي إلى مجتمع الفضيلة ، مجتمع الإسلام ، لا مجتمع ( المدينة الفاضلة ) المزعومة التي حكى عنها أفلاطون ولا غيره ... وإن امرأة العزيز هي التي اختلت بيوسف عليه السلام ، أمّا يوسف فقد عصمه الله ، وأما هي فعُلِم أمرها ، وفُضح حالها ، وكُشف معدنها. قال عمر بن الخطاب : لا تخلونّ بامرأةٍ ولو كنتَ تحفّظها القرآن . فإذا كان تحفيظ القرآن أمراً غير مبرر للخلوة ، فما بالك بغيره من الأمور ، فالغاية لا تبرر الوسيلة مطلقاً .
    18ــ إنّ الله عز وجلّ قد نجّى يوسف عليه السلام من كيد امرأة العزيز ، كمّا نجّاه سابقاً من إخوته ومكرهم . وإذا كانت النجاة الأولى بإلقائه في الجب وحيداً مشرّداً من كل شئ إلاّ من رحمة الله الرحيم ، فإن النجاة الثانية كانت بإلقائه في السجن مبرّءاً من كل التهم إلاّ من تهمة الفضيلة والانتماء للإسلام ، وذلك بعد أن دعت امرأة العزيز النساء في المدينة ليحضروا إليها ، وجعلت معهنّ سكاكين ، وأمرت يوسف أن يخرج إليهنّ ، ليعذروا فعلتها وتبرّىء ساحتها ، وكان لها ما أرادت . ثمّ مدحت عفته : " ولقد راودته عن نفسه فاستعصم " ، ثم طلبت منه أمام جمع النسوة ما طلبته في المرّة الأولى ، لأنّ طلبها هذه المرّة معذورة فيه بزعمها . قال ابن مسعود : كان وجه يوسف مثل البرق ، وكان إذا أتته امرأة لحاجةٍ غطّى وجهه . وقال غيره : كان في الغالب مبرقعاً لئلاّ يراه النّاس .
    19ــ يذكر الله تعالى عن العزيز وامرأته أنه بدا لهم أمر يوسف وعلموا براءته ، فقرّروا أن يسجنوه إلى وقت ليكون ذلك أقلّ لكلام الناس في تلك القضية ، وليُظهروا أنه راودها عن نفسها ، فسُجن بسببها ، وسجنوه ظلماً وعدواناً .
    20ــ إنّ يوسف عليه السلام كان من الصالحين ، وقد عرف ذلك الفَتَيان اللذان دخلا معه السجن . ثمّ إن يوسف عليه السلام ، وهو رمز من رموز الدعاة إلى الله تعالى ، بدأ ينصح هذين الفََتَيَين . وكانت النصيحة الأولى والأساس : الدعوة إلى توحيد الله عز وجلّ ، " يا صاحبَي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار " . ودعوة التوحيد هي دعوة الأنبياء والرسل وأتباعهم على مرّ الدّهور ، من لدن آدم عليه السلام وحتى قيام الساعة ، دعوة قامت عليها السماوات والأرضين ، دعوة خلق الله الانس والجن لأجلها : " وما خلقت الجن والإنس إلاّ ليعبدون " . وإن يوسف عليه السلام لمّا نبّأ الساقي والطباخ بتأويل رؤياهما ، وعلم أن الساقي سيخرج ، قال له : " أذكرني عند ربك " ، أي عند سيدك ، ولكن الشيطان أنسى الساقي هذا الأمر ، فلبث يوسف في السجن سبع سنين .
    وإذا كان الملك قد ترك يوسف في السجن بريئاً ، وإذا كان الساقي قد نسي أن يُذكر الملك ببراءة يوسف ، فإن ربّ يوسف لم ينسه . كيف ينسى عبده الذي لم تُنسه الفتن ذكر ربه والرجوع إليه ؟ إن الله العلي القدير ، الحكيم الخبير ، قد ادخر يوسف في السجن ، كما ادخره سابقاً في الجب ، ليُهيّء له أمراً رشيداً ، يُعَزّ فيه ولا يُذلّ ، لأن الله تعالى لا يرضى الذل لعبده . وإذا طالت سنون السجن قليلاً ، فإن يوسف عليه السلام قد خرج بريئاً ، وهو بريء من البداية ، خرج ناصع الجبين ، مصون العفّة ، على إثر رؤيا منامية رآها الملك فأرسل في طلب يوسف ، بعد أن أخبره الساقي بأن يوسف يعلم تأويل الرؤى .
    وخلاصة الرؤيا المنامية : أن الملك قد رآى سبع بقراتٍ سمينات جميلات ممتلآت لحماً وشحماً ، خرجن من النهر وأخذن يرتعن في أرضٍ خصبة كثيرة العشب والكلأ ، وخرج على إثرهن سبع بقرات هزيلات في غاية الهُزال والضّعف ، فابتلعت البقراتُ العجافُ البقراتِ السِمان ، كما رآى سبعَ سنابل خضراء ابتلعتها سبعُ سنابل يابسة فلم تُبق لها أثراً ، فهالَهُ أمر هذه الرؤيا .
    إنّ يوسف عليه السلام أبى أن يخرج من السجن حتى تُبرّأ ساحته من تلك التهمة الشنيعة ، فقال لرسول الملك : إرجع إلى سيدك وسَلْهُ عن قصة النسوة اللاتي قطّن أيديهن ، هل يعلم خبرهن ؟ وقد قال الرسول صلى الله عليه وسـلم ، مثنياً على يوسف : " لو لبثت في السجن ما لبث يوسف وأتاني الداعي لأجبتُ وما ابتغيتُ العذر " ، رواه البخاري . وإنما قال هذا إشادة بصبر يوسف ، ورفعاً لقدره ، وتواضعاً منه صلى الله عليه وسلم ، وإلاّ فمقامه أسمى وأعلى وأرفع ..
    وكان القصد من فعلة يوسف هذه بإرساله رسول الملك ليسأله عن النسوة أن يُظهر براءته أمام الملك وأمام الناس وليُحصحص الحق ، فبان أمر امرأة العزيز واعترفت بشنيع خطيئتها .
    21ــ " ذلك ليعلم أنّي لم أخنه بالغيب ، وأن الله لا يهدي كيد الخائنين " . هذا من كلام يوسف الصدّيق عليه السلام ، ليُعْلِم العزيزَ بأنه لم يخن زوجته في غيبته ، لأنّ الله لا يوفّق الخائن ، وهو قد وفّقه الله تعالى لتفسير الرؤيا لأنه لم يكُ خائناً وكانت نيّته طيّبة . ومع هذا لم يَدَّعِ النّزاهة والطهارة اللتَيْن يتغنّى بهما كثير من الناس الذين لا يملكونهما ، لأنّ النّفس البشرية ميالةٌ إلى الشرّ والشهوات إلاّ من عصمه الله تعالى ، قال ذلك من تواضعه وإلاّ فهو نبي معصوم .
    22ــ لمّا أحاط الملك علماً بكمال علم يوسف وتمام عقله ورأيه السديد وفـهمه ، أمر بإحضاره إلى حضرته ليكون من جملة خاصّته . فطلب يوسف من الملك أن يجعله على خزائن الأرض ، وقال له : " إنّي حفيظ عليم " ، هو لم يطلب الشهرة لنفسه ، ولم يُزكِّ نفسه ، ولكنّه عَلِمَ من منام الملك أنّه سيكون هناك خللٌ فيما بعد ، فطلب أن يولِّيَه النظر فيما يتعلّق بالأهراء ؛ والهرى : بيت ضخم كبير يُجمع فيه طعام الملك ، جمعه : أهراء .
    إنّ ما حصل ليوسف عليه السلام من توزير الملك له وإصراره على ذلك لَهُوَ دليل آخر على عِظم مكانة الصدّيق يوسف عند الله تعالى ؛ فهو قد صبر واحتسب في كثير من المراحل . فمن صبره على إخوته ، إلى صبره في غيابة الجبّ ، إلى صبره على فتنة النساء ، إلى صبره في السجن بريئاً ... سنين طويلة من المعاناة ، كان فيها يوسف عليه السلام يصوّر أروع مشاهد الصبر والتضحية في سبيل الله عزّ وجلّ ، يستشعر معيّة الله ومراقبته له ، فيُبعِد نفسه عن ما حرّم الله ابتغاء ما عند الله . لقد كان ذاكراً لله عز وجلّ دائماً ، ففي رؤياه ذكّره أبوه بالله : " وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث " . وهنا لَفْتَةٌ مهمة ، وبروز لدور الأب المهتم بأمور أولاده ، الحريص على مصالحهم الدينية قبل الدنيوية ، الناصح لهم والمشفق عليهم ، فيا ليت آباء هذا العصر تمثلوا بيعقوب عليه السلام . وفي فتنته مع امرأة العزيز تذكّر الله تعالى : " معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي ، إنّه لا يُفلح الظالمون " . وذِكْرُ الظالمين هنا مناسب تماماً لأنّ الظلم هو : وضع الشيء في غير موضعه ، ويوسف عليه السلام أبى أن يضع جماله في غير موضعه الصحيح ، كما أبى أن يسقي حرث غيره .
    وفي اللقاء الذي أعدته امرأة العزيز وأحضرت فيه نسوة المدينة ، وطلبت مراودة يوسف ، وإلاّ فسيكون مصيره التغييب في السجن كما غُيّب سابقاً في الجبّ ، تذكّر يوسف ربه تبارك وتعالى ، ووقف وقفة المعتز بدينه ، الثابت على يقينه ، العالِم بأن مفرّج الهموم هو الله وحدَه ، وسيجعل له من هذا الضيق مخرجاً ، كما جعل له مخرجاً وفرجاً من كيد إخوته ومكرهم به . وقف وقفة شامخة شموخ الجبال والقمم ، وأعلنها للجميع صراحة وبدون أيّ مهاودة أو تلكّؤٍ، وقال : " ربّ السجن أحب إليّ مما يدعونني إليه ، وإلاّ تصرف عنّي كيدهن أصْبُ إليهن وأكن من الجاهلين " ، لسان حاله يقول مصدّقاً لسان مقاله :
    وذاك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أوصال شلوٍ ممزّعِ .
    " فاستجاب له ربّه ، فصرف عنه كيدَهن ، إنه هو السميع العليم " . ومناسبة ذكر صفتَيْ السمع والعلم هنا ، واللتان هما صفتان من صفات الله جل جلاله ، أنّه سبحانه أعلم بحال عبده الذي يدعوه ويناجيه ، وهو يسمع صوته وأنينه .
    إن صبر يوسف عليه السلام على الأمور الصعبة والفتن المتتالية جعله ، بتوفيق الله ، يحصّل منزلة عالية و رفيعة عند الله ، وفي حياته ومجتمعه . والصبر نصف الإيمان ، ونصفه الآخر الشكر . والصبر في اللغة هو الحبس والكفّ ، وهو ثلاثة أنواع : صبر على طاعة الله ، وصبر عن معصية الله ، وصبر على امتحان الله . فالأوّلان صبر على ما يتعلّق بالكسب ، والآخر صبر على ما لا كسب للعبد فيه . وفي صبر يوسف عليه السلام يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كلاماً نفيساً ينبغي نقله ، يقول : كان صبر يوسف عن مطاوعة امرأة العزيز على شأنها أكمل من صبره على إلقاء إخوته له في الجبّ وبيعه والتفريق بينه وبين أبيه ، فإن هذه الأمور جرت عليه بغير اختياره ولا كسب له فيها ، ليس للعبد فيها حيلة إلاّ الصبر . أما صبره عن المعصية فصبر اختيار ورضى ومحاربة للنفس ، لا سيّما مع الأسباب التي تقوى معها دواعي الموافقة ؛ فإنه كان شابّاً ، وداعية الشباب إليها أقوى ، وعزباً ليس له ما يعوّضه ويردّ شهوته ، وغريباً ، والغريب لا يستحي في بلد غربته ممّا يستحي منه مَن بين أصحابه ومعارفه وأهله ، ومملوكاً ، والمملوك ليس له وازع كوازع الحرّ ، والمرأة جميلة ، وذات منصب ، وهي سيّدته ، وقد غاب الرقيب ، وهي الداعية له إلى نفسها ، والحريصة على ذلك أشدّ الحرص ، ومع ذلك توعّدَته إن لم يفعل بالسجن والصّغار . ومع هذه الدّواعي كلِّها صبر اختياراً وإيثاراً لِما عند الله ، إنتهى كلامه يرحمه الله .
    وقيل في الصبر :
    الصبر مثل اسمه مرٌّ مذاقه لكنّ عواقبه أحلى من العسلِ
    إنّ الأنواع الثلاثة للصبر قد صبرها يوسف عليه السلام ، وكان جزاؤه أن مكّنه الله في الأرض يتبؤ منها حيث يشاء ، منّةً وكرماً ورحمةً منه لعبده الذي استسلم له ، وانقاد لأوامره وترك نواهيه .
    وقد قال بعضهم :
    وراء مَضيق الخوف متّسعُ الأمنِ وأول مَفروحٍ به غاية الحـــــزنِ
    فلا تيأسَنْ فالله ملّكَ يوسفـــــــــا خزائنَه بعد الخلاص من السجنِ
    وقال بعضهم :


    وإذا عَرَتْكَ مصيبة فاصبر لها صبر الكريم ، فإنه بكَ أعلـــــمُ
    وإذا شكوتَ ابنَ آدم إنّمـــــــــا تشكو الرحيمَ إلى الذي لا يرحمُ
    23ــ " وكذلك مكنّا ليوسف في الأرض يتبؤ منها حيث يشاء ، نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين . ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتّقون " . فبعد الضيق والحصر ، صار مطلِق الركاب بديار مصر ، أينما حلّ منها حلّ مكرّماً محسوداً معظّماً ، وكل ذلك من فضل الله ورحمته على عباده المحسنين ، أمّا أجر الآخرة فهو خير وأعظم وأجزل .
    إنّ يوسف عليه السلام عزيز على الله تعالى ، وإن الله تبارك وتعالى في ملكوته قد وسعت رحمته كل شيء خَلَقه ، ويوسف عليه السلام كان من المحسنين ، إعترف له بذلك الفتيان اللذان كانا معه في السجن ، وقد مدحه الله تعالى حين أعطاه هذه الصفة ، وهذه الميدالية ، وهذا التاج العظيم . والإحسانُ هو لبّ الإيمان وروحه وكماله ، وهو على ثلاث درجات :
    الأولى: الإحسان في القصد بتهذيبه عِلماً ، وإبرامه عزماً ، وتصنيفه حالاً . الثانية : الإحسان في الأحوال ؛ وهو أن تراعيها غيرة ، وتسترها تظرفاً ، وتصححها تحقيقاً .
    الثالثة : الإحسان في الوقت ؛ وهو أن لا تزايل المشاهدة (الشهود ) ، ولا تخلط بهمّتك أحداً ، وتجعل هجرتك إلى الحق سرمداً .
    " ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون " . إنّ كل المراتب والمناصب والقصور ، والعيشة الهنيّة ، والمال ، والسعادة التي قد يصل إليها المرء في هذه الحياة الدنيا ، كلها مرهونة لصالح الفناء ، وهي مع كل ما فيها من العزّة والرفعة والسؤدد ، لا تساوي شيئاً أمام سعادة وخيرية الآخرة . جاء في موضعٍ آخر من القرآن ، في سورة الأعلى : " والآخرة خير وأبقى " . لقد أعطى الله تعالى في هذه الآية الصغيرة في حجمها ، الكبيرة في معانيها ومدلولاتها ، صفتين من صفات الآخرة وهما : الخيرية والبقاء ، وهاتان الصفتان ليستا للدنيا بل للآخرة فقط ، وبهما فضّلت الآخرة على الدنيا . فالخيرية في الآخرة ، والبقاء السرمديّ في الآخرة ، وكمال السعادة في الآخرة . ولكنّ هذه السعادة وهذه الخيرية لا تحصلان إلاّ للذين آمنوا وكانوا يتقون . وهذا ردّ على الذين يقولون بأن الإيمان يكفي أن يكون في القلب ، ألم يقرأ هؤلاء القرآنَ ؟ إنّ كل الآيات التي ذكرت لفظة " آمنوا " قد اقترنت بصفة " وعملوا الصالحات " ، فالإيمان وحده لا يكفي ، بل لا بدّ من تُرجمان لهذا الإيمان ؛ وكمال تُرجمانه يحصل عند الأمر والنهي . " وكانوا يتقون " ، والتقوى فيها عمل . وقد ذكر العلماء فيها تعاريف كثيرة ، فقال بعضهم : التقوى هي أن تجعل بينك وبين محارم الله وقاية . وقال بعضهم : التقوى هي الخوف من الجليل ، والعمل بالتنزيل ، والاستعداد ليوم الرحيل . والمتقون هم أهل الجنّة ، فلا تُستَحَقُّ الجنّة إلا للمتقين ، ولا يدخلها إلا المتقون . قال تعالى: " وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدّت للمتقين " .


    24ــ " وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعَرَفَهم وهم له منكرون " . جاءت سنيّ الجدب والقحط التي رآها الملك في منامه ، والتي فطن لها يوسف عليه السلام بفضل الله تعالى . وجاء إخوة يوسف يمتارون طعاماً . وكان يوسف عليه السلام إذ ذاك حاكماً على الديار المصرية ديناً ودنيا ، ولكن إخوته لم يخطر ببالهم ما آلى إليه أمر يوسف من عز وتمكين ، وريادة وسيادة ، ورفعة وكرامة ، لأنّه في ظنّهم ما زال عبداً يخدم عند سيّده ، ولم يدركوا أن الله العزيز الحكيم قد حوّل العبد إلى سيّد ، والضعيف إلى قويّ ، والمتَّهَم إلى مبرّأ . وقد عرف يوسف إخوته ، ولكنّه أراد رؤية أخيه الشقيق ( بنيامين ) ؛ فبعد أن أعطاهم حِمْلَ بعير ، كما جرت العادة ، قال لهم : إن لم تأتوني بأخيكم من العام القادم فلن أعطيكم ميرة، فاجتهد في إحضار أخيه معهم بالترغيب والترهيب ليَبُلَّ شوقه منه .
    ثمّ رجعوا إلى أبيهم ، ذاك الشيخ الضعيف الذي حزن على ابنه يوسف حزناً شديداً ، وأخبروه ما حدث بينهم وبين العزيز ، وأنه لا بدّ من إرسال أخيهم بنيامين معهم في العام المقبل .

    آخر مواضيعي

    إلى من يسأل عن إصدارات المؤسسة العربية الحديثة 2017
    محامية في باب الحارة الثامن
    مأساة تتعرض لها عائلة عصام في باب الحارة الجديد
    خادمة جديدة في باب الحارة الثامن والنمس يحبها
    أبو عصام يصطدم مع المهندس في باب الحارة الثامن والتاسع

     
      رد مع اقتباس
    قديم 8-11-2012م, 05:12 PM   #4
    افتراضي

    وكان يعقوب عليه السلام يحبّ ولده بنيامين حبّاً شديداً ، لأنّه يشمّ فيه رائحة يوسف ، ويتسلّى به عنه ، ويتعوّض بسببه منه .
    ولأجل إرسال بنيامين مع إخوته ، عقد الأب ميثاقاً مع أولاده يقضي بقَبوله إرسال بنيامين شرط أن يتعهّدوا بإرجاعه إلاّ أن يُغلَبوا عن الاتيان به . وقد أكّد المواثيق والعهود ، واحتاط لنفسه في ولده ، ولن يُغني حذر من قَدَر . ولولا حاجة قومه وحاجته للميرة لَمَا بعث ولده وفلذة كبده ، فهو ما زال يعاني مأساة يوسف ، ويعيشها يومياً ، ولكنّ الأقدار لها أحكام ، والرب جلّ جلاله يقدّر ما يشاء ، ويختار ما يريد ، ويحكم ما يشاء وهو العليم الحكيم .
    ثم أمرهم أن لا يدخلوا المدينة من باب واحد ، ولكن ليدخلوا من أبواب متفـرّقة . وهنا تبرز فطنة الأب (يعقوب ) مرة أخرى في خوفه عليهم أن لا يصيبهم أحد بالعين ، لأنهم كانوا أشكالاً حسنة ، وصوراً بديعة ، كما قال ابن عبّاس ومجاهد وقتادة وغيرهم ... وقيل أراد بتفرّقهم إيجاد خبرٍ عن يوسف ، قاله إبراهيم النخعي . والأوّل أظهر ، ولهذا قال : " وما أغني عنكم من الله من شيء " .


    25ــ لقد حصل اللقاء المرتقب ، والعودة الحميمة ، والإيواء الأخوي بين بنيامين ويوسف . " ولمّا دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه ، قال إني أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا يعملون " . ثم أمره بكتم ذلك عنهم ، واحتال على أخذه منهم ، لأنه لم يُطفئ بعد حرارة اللقاء الأخويّ . فأمر فتيانه بوضع سقايته , (وهي الكوب التي يشرب بها ) ، عن غرّة في متاع بنيامين ، ثم أعلمهم بأنهم سَرقوا متاع الملك ، وكانت شريعتهم تقضي بأن السارق يُدفع إلى المسروق منه ، ولهذا قالوا : " كذلك نجزي الظالمين " .
    إن يوسف عليه السلام كان يملك رأياً سديداً ، وعزماً وقوّة وحزماً ، وإنما فعل ذلك لأجل مصلحة عظيمة ، فطن لها بفطنته ، وعلم بها بتعليم الله له ، وهي : قدوم والده وقومه عليه ، ووفودهم إليه .
    26ــ " قالوا إن يسرق فقد سَرَق أخ له من قبل " ، يعنون يوسف . فقد قيل أنه سرق صنمَ جدّه ( والد أمه ) وكسره ، رفضاً للوثنية منذ صغره . وقيل كانت عمّته قد علّقت عليه بين ثيابه شيئاً كان لإسحاق ، وكان يوسف صغـيـراً ، وهي قد فعلت ذلك ليكون عندها ، وفي حضانتها ، لمحبّتها له ، ثم استخرجوا هذا الشيء من ثيابه وهو لا يشعر بما صنعت .
    ثم بدأت المفاوضات بين يوسف وإخوته ، حيث قالوا له : " خذ أحـدنـا مـكانــه " ، وعلّلوا ذلك بأنّ له أباً شيخاً كبيراً . ولكنّ يوسف رفض أخذ البريء وترك المتَّهم .
    27ــ فلمّا علموا أنّهم لن يستطيعوا أن يأخذوا أخاهم معهم ، قفلوا عائدين إلى أبيهم . ولكن المصيبة أن أباهم قد أخذ عليهم العهد بأن يُرجعوا أخاهم معهم ، فلمّا وصلوا إلى أبيهم وأخبروه بما حصل معهم من إبقاء بنيامين عند العزيز ، فطن لهم الأب مرّةً أخرى ، وأخبرهم أن الأمر ليس كذلك لأن بنيامين لا يسرق ، فهو لم يعهد ذلك منه . قال ابن إسحاق وغيره : لمّا كان التفريط منهم في بنيامين مترتّباً على صنيعهم في يوسف ، قال لهم ما قال . وهذا كما قال بعض السلف : إن من جزاء السيئة السيئةُ بعدها . ثم قال : " عسى الله أن يأتيني بهم جميعاً " ، لم يقل " بهما " لأنه عنى : يوسف وبنـيـامين وروبـيـل ( الأخ الكبير الذي قال بعد أخذ يوسف لبنيامين : " لن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي " ) . ثم قال يعقوب : " إنه هو العليم الحكيم " ، أي العليم بحالي وما أنا فيه من فراق الأحبة ، الحكيم فيما يفعله ويقدّره ، في كل أمر له حكمة بالغة ، وحجّة قاطعة .
    ثم تذكر الشيخُ الكبيرُ حزنَهُ القديم على يوسف ، فقد جاء هذا الحزن الجديد ليحرّك مشاعره الجيّاشة ، وجرحه الذي لم يبرأ بعد . وإنّه لَجرح كبير ، ومصيبة عظيمة ، عاشها ذاك العجوز ، كما قال الشاعر :
    لقد لامني عند القبور على البكـا رفيقي لتذارف الدموع السوافكِ*
    فقال : أتبكي كل قبر رأيتـــــــه لقبرٍ ثوى بين اللوى* فالدّكادكِ*
    فقلتُ له : إن الأسى يبعث الأسى فدعني فـهـذا كله قبر مالــــــكِ
    ( السوافك : المصبوبة أو المُراقة ـ اللوى : الرمل الملتوي ـ الدكادك : الرمل ذو التراب المتلبّد ) .
    28ــ " وابيضّت عيناه من الحزن " ، أي بسبب حزنه على أولاده أصبح ضريراً . فلمّا رآى بنوه ما يقاسيه من الوَجْد وألم الفراق ، قالوا له على وجه الرحمة والرأفة والحرص عليه : لا تزال تتذكر مصيبة يوسف حتى ينحل جسدك وتضعف قوتك ؟ فلو رفقتَ بنفسك كان أولى بك .
    فقال لهم الأب ، ذاك الشيخ الكبير الصابر المحتسب : لستُ أشكو إليكم ، ولا إلى أحد من الناس ، ما أنا فيه ، إنّما أشكو إلى الله عزّ وجلّ ، وأعلم أنه سيجعل لي مخرجاً وفَرَجاً ممّا أنا فيه ، وأعلم أن رؤيا يوسف لا بد أن تقع ، ولا بد أن أسجد له أنا وأنتم ، حسب ما رآى ، ولهذا قال : " وأعلم من الله ما لا تعلمون " . ثم قال لهم ، محرّضاً على تطلّب يوسف وأخيه ، كلاماً بليغاً ، وعباراتٍ لا تصدر إلاّ من مؤمن تقيٍّ نقيٍّ ، صابر محتسبٍ أجرَه على الله تعالى : " يا بَنيّ اذهبوا فتحسّسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من رَوح الله ، إنه لا ييأس من رَوح الله إلاّ القوم الكافرون " . أي لا تيأسوا من الفَرَج بعد الشدّة ، فإنه لا ييأس من رَوح الله وفَرَجه إلاّ القوم الكافرون .
    لقد كان يعقوب عليه السلام صابراً محتسباً في جميع ما نزل به من الضيق والشدّة في الأمر ، على الرغم من كِبَر سنّه وهرمه . وهذا مِثال المؤمن الذي سلّم أمره كلّه لله ، مقدّر الأقدار ، ومُخرج الناس من المضايق ، ومفرّج الكروب ، ومُزيل الخطوب ، فخطّ يعقوب ويوسف عليهما السلام أروع المواقف في الصبر والاحتساب ، والدّعوة إلى توحيد الإله الوهّاب ، وبرزا كعلَمَين من أعلام التوحيد ، ونبذ الوثنيّة ، والثبات على دين الله . وما حصل لهما من إبعاد يوسف عن أبيه ، ومن حُزن هذا الأخير على ولده ، وفقدان بصره بسبب ذلك ، كل هذا من البلاء الذي يـصيـب المؤمن على قدْر إيـمـانـه


    " ليميز الله الخبيث من الطيّب " . وقد كانا في جميع الأمور صابرَين محتسبَين ، لا يُضيرُهما ما نزل بهما من الكروب ، وتعاظم الخطوب ، أن يبلّغا دعوة الله ، ويصبرا على دينهما ، فحُق لهما أن يخطّ القرآن الكريم مواقفهما بآياتٍ تتلى إلى قيام الساعة ، وعلى مرّ الدّهور .
    29ــ لقد رجع إخوة يوسف إليه ، وقدِموا عليه ، لرغبتهم فيما عنده من الميرة ، والصدقة عليهم بردّ أخيهم ( بنيامين ) إليهم . فأخبروه بضـيـق الحـال ، وكثرة العيال ، والجدْب الحاصل في البلاد . وكانت البضاعة التي أتوا بها مزجاة ( أي ضعيفة ) . قيل أنها كانت دراهم رديئة ، وقيل قليلة . قال ابن عباس : كانت خلق الغرائر والحبال ونحو ذلك ... وطلبوا إرجاع أخيهم إليهم .
    فلمّا رآى يوسف عليه السلام ما هم فيه من الحال ، وما جاؤوا به مما لم يبقَ عندهم سواه من ضعيف المال ، عرّفهم على نفسه ، وعطف عليهم . وقد حسر لهم عن جبينه الشريف ، وما يحويه من الحال الذي يعرفونه فيه .
    لقد ذهل إخوة يوسف حين تعرّفوا عليه وعلى الحال التي صار فيها . فهم الذين ألقوه في الجبّ ، ثم باعوه بأزهد الأثمان ، فإذا هو اليوم أمامهم ، يتبؤ منزلة رفيعة ؛ فهو عزيز مصر وحاكمها ، وهم محتاجون إليه لقضاء حوائجهم ، بعدما استغنوا عنه وألقوه في غيابة الجبّ .
    إن يوسف عليه السلام قد ردّ أمره وما حصل له ولأخيه إلى الله العزيز الحكيم ، الذي منّ عليهما بفضله وكَرَمه وجوده . وبيّن الصدّيق لإخوته أنه بالتقوى والصبر يصل الإنسان إلى مرتبة الإحسان ، وهي أعلى المراتب التي قد يحوزها العبد : " قد منّ الله علينا ، إنه من يتق و يصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين " . قال شيخ الإسلام ابن تيمية : بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدّين . ثم ذكر قوله تعالى : " وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لمّا صبروا وكانوا بآياتنا يوقـنون " .
    ثم إن يوسف عليه السلام لمّا علم بأمر أبيه وما حصل له من فقد بصره بسبب حزنه عليه ، أراد أن يراه ، وأن يعانقه ، بعد فراق دام سنوات طويلة . فأمر إخوته أن يذهبوا بقميصه ويُلقوها على عينَي أبيهم فيرجع إليه بصره . وهذه من خوارق العادات ، ودلائل النبوّات ، وأكبر المعجزات .
    30ــ " ولما فصلت العير قال أبوهم إنّي لأجد ريح يوسف لولا أن تفنّدون .
    قالوا تالله إنّكَ لفي ضلالك القديم " . قال ابن عباس : " ولـمـا فـصـلـت الـعـيـر " ، أي : لما خرجت العير ، وجد ريحه من مسيرة ثلاثة أيام . وقال الحسن البصري : كان بينهما مسيرة ثمانين فرسخاً ، وكان له منذ أن فارقه ثمانين عاماً .
    " لولا أن تفنّدون " : أي تقولون إنّما قلتُ هذا من الفَنَد ، وهو الخَرَف , وكِبَر السنّ .
    ثم جاء البشير ، فألقى القميصَ على وجه يعقوب ، فرجع إليه بصره من فوره، وكأنه ما كان ضريراً قطّ ، فأقام الحجّة على بنيه ، وأخبرهم بما قاله لهم سابقاً من أن الله عز وجل سيجمع بينه وبين يوسف ، وسيقر عينه به قبل وفاته ، وهي تأويل رؤيا يوسف الصدّيق ، صلوات الله وسلامه عليه .
    31ــ " قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنّا كنّا خاطئين . قال سوف أستغفر لكم ربّي ، إنه هو الغفور الرحيم " . طلبوا منه أن يستغفر لهم اللهَ جل جلاله عما فعلوه ونالوا منه ومن ابنه . ولمّا كانت نيّتهم التوبة قبل الفعل ، وفّقهم الله للاستغفار عند وقوع ذلك منهم ، فأجابهم أبوهم قائلاً : " سوف أستغفر لكم ربي " . قال ابن مسعود وغيره : ( أرجأهم إلى وقت السَّحَر ) . وما أدراكم ما وقت السحر ؟ إنه وقت تنزّل الرحمات ، واستمطار البركات ، وإغداق الخيرات ، من ربّ الأرض والسماوات . إنه وقت كريم ، يتكرّم فيه الكريم على عباده المذنبين ، باستقبال دعائهم ، وسماع أصواتهم وأنينهم . إنّه وقت عزيز ، يعزّ على النفس أن تقوم من مهجعها ، ومن نومها ، ولكن من أدرك عِظَمَه وفضله ، وأن الرحيم ينزل فيه إلى السماء الدنيا ليسمع أصوات التائبين ، وطلبات السائلين ، فلن يخلد إلى النوم ويَذر هذه الصفَقة الرابحة . وقت السحر هو وقت استغلّه سلفنا الصالح ، لعِلمهم بفضله ، وشهود المولى الجليل له . فيا من ضاقت به الأرض بما رحبت ، ويا من يئس مما في أيدي الناس ، وطمع بما عند الله ، يا من أذنب بالليل والنهار ، وعصى ربّه بالسّر والجهار، وأطلق للنفس العنان لما تشتهيه ... أنت على موعد مع الغفور الرحيم ، في وقت يغفل عنه كثير من الناس . لُذ فيه إلى الله ، واطرح نفسك وسؤالك بين يدَي ربك . ناجِ خالقك ، إستمطر شآبيب الرحمة منه ، وسلْهُ الثبات على الدّين ، ومزيداً من الخير والبركة وتفريج الهمّ ، وإزالة الكرب . وعُذ به من النار ، وما قرّب إليها من قول أو عمل ، ومن غَلَبة الدَّين وقهر الرجال والحكّام . أنت على موعد مع الله ليراك حيث يُحبّ أن يراك . واعلم أنه يسمعك ، ويراك حين تقوم ، وإنْ أخّر إجابته لك ، وعطاءه إيّاك ، فهو لمصلحة علِمها وغابت عنك ، والخير كلُه بيَدَيه ، والشر ليس إليه ، ولا ينبغي أن يكون إليه ، هو ربّنا ، فنِعم المولى ونِعم النصير .
    وقد مدح الله عباده المتّقين بقوله : " كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون . وبالأسحار هم يستغفرون " . وقال في معرض المدح : " والمستغفرين بالأسحار " . وكان عمر رضي الله عنه يأتي المسجد فيسمع إنساناً يقول : اللهمّ دَعَوتَني فأجبت ، وأمرتني فأطعت ، وهذا السَّحَر فاغفر لي . فاستمع إلى الصوت يوماً ، فإذا هو من دار عبد الله بن مسعود ، فسأله عن ذلك ، فقال عبد الله : إنّ يعقوب أخّر بنيه إلى السَّحَر بقوله : " سوف أستغفر لكم ربي " .



    آخر مواضيعي

    إلى من يسأل عن إصدارات المؤسسة العربية الحديثة 2017
    محامية في باب الحارة الثامن
    مأساة تتعرض لها عائلة عصام في باب الحارة الجديد
    خادمة جديدة في باب الحارة الثامن والنمس يحبها
    أبو عصام يصطدم مع المهندس في باب الحارة الثامن والتاسع

     
      رد مع اقتباس
    قديم 8-11-2012م, 05:13 PM   #5
    افتراضي

    إنّ هذه الأمور كلُها مقدّمات ، قدّرها الله سبحانه وتعالى لكي يتمّ اللقاء بين الأب وابنه ، بعد أن أعاد الله بصرَ يعقوب إليه ، وعفا يعقوب عن بنيه ، لتتمّ المصالحة الكبيرة بين الإخوة جميعاً في دار يوسف عليه السلام ، تلك الدار التي سكنها بفضل الله تعالى ، وهو اليوم سيّدها ، بعد سلسلة معاناة وظلم من إخوته ، ومن امرأة العزيز ، فتن وأمور عَظُم على الجبال أن تحملها ، فتحمّلها يوسف ، ابن السابعة عشرة ، بجَلَدِ وثباتِ المؤمن الواثق من أنّ بعد العسر يُسراً .
    32ــ " فلمّا دخلوا على يوسف آوى إليه أبوَيه وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين " . قيل هذا من المقدَّم والمؤخر ، وتقديره : أدخلوا مصر ، وآوى إليه أبويه . وقيل : تلقّاهما وآواهما إلى منزل الخيام ، ثم لما اقتربوا من باب مصر قال : " أدخلوا مصر إن شاء الله آمنين " . وقيل : أدخلوا بمعنــــى :
    ( أسكنوا ) أو ( أقيموا ) بها آمنين .
    " ورفع أبويه على العرش " : أي أجلسهما معه على سريره ، رفعاً لقدرهما، وإعلاءً لمنزلتهما . وهذا من تمام وفاء الإبن لأبويه .
    " وخرّوا له سجداً " : أي سجد له الأبوان والإخوة الأحد عشر ، تعظيماً وتكريماً . وكان هذا مشروعاً لهم . ولم يزل معمولاً به في سائر الشرائع حتى حُرِّم في ملّتنا ، كما قال الطبري في تفسيره .
    لقد حصل تأويل الرؤيا الصادقة التي رآها يوسف الصدّيق ، وهي أنه شاهــد
    ( مشاهدة منامية ) أحد عشر كوكباً والشمس والقمر له ساجدين ، فجاءت حقاً كما أراه إيّاها ربّه جلّ في علاه . وهذا من النِعم التي أنعم الله بها على يوسف. ثم عدّد يوسف النِّعم الأخرى بقوله : " وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي " ، وهذه كلها قد حصلت ليوسف عليه السلام . فبعد الهمّ والضيق الـذَيْن عاناهما من إخوته ، ومن امرأة العزيز ، جعله الله حاكماً نافذ الكلمة في الديار المصرية ، وجاء بأهله من الباديـة التي كانوا يسكنونها ، إلى القصر الذي يسكنه ، وهو أحق بسكناه .


    " إنّ ربي لطيف لِما يشاء ، إنه هو العليم الحكيم " : أي إذا أراد شيئاً هيّأ له أسبابه ، ويسّرها وسهّلها من وجوهٍ لا يهتدي إليها العباد ، بل يقدّرها وييسرها بلطيف صُنعه ، وعظيم قدرته ، وسَعَة رحمته ، كما جعل الفقيرَ غنيّاً ، والعبدَ ملِكاً ، والمتآمرين عليه ساجدين له ، وأزاح مخطط امرأة العزيز ، وجعلها تعترف بقبيح فعلتها ، فيما هي عليه من المُلك والأمر .
    33ــ إنّ يوسف عليه السلام ، بتولّيه خزائن مصر ووزارة الإقـتصاد والتموين فيها ، قد أنقذ الديار من المجاعة والفقر باتّباعه سياسةً اقـتصادية رشيدة وهائلة ، تصحّ أن تكون مثالاً يحتذي به الحكّام ووزراء العالم كله .
    لقد باع يوسف أهلَ مصر وغيرهم الطعامَ الذي كان تحت يَدَيَه بأموالهم كلّها ، من الذهب والفضّة ، والعقار والأثاث ، وما يملكونه ، ثم أطلق لهم أرضهم ، على أن يعملوا بها ، ويكون خُمُسُ ما يستغلّون من زروعهم وثمارهم للملِك ، فصارت سُنُّة أهل مصر بعده .
    وحكى الثعلبي أنّ يوسف عليه السلام كان لا يشبع تلك السنين حتى لا ينسى الجيعان . وهذا من عدل الراعي ، وهو مساواته مع رعيّته ، مع أنه كان قادراً على أكل ما يريد ، وفي الوقت الذي يريد ، ولكنّه رفض ذلك ، وعاش مأساة شعبه ، ولم يقل كملكة فرنسا قديماً ، عندما حصلت مجاعة لشعبها : أطعموا الجائعين بسكويتاً ، هم لا يَجِدون لقمة خبز فكيف يجدون البسكويت ؟ ومن أين لها أن تعلم ذلك ، وقد تربّت في قصور الأرستقراطية والبورجوازية الهدّامة التي أنستها معاناة شعبها ؟!!!
    وكان يوسف عليه السلام يأكل أكلةً واحدةً نصف النهار ، فمن ثم اقتدى به الملوك في ذلك ( طبعاً ملوك العدل والإنصاف ، وليس ملوك الظلم والإستبداد ) . وكان عمر بن الخطّاب رضي الله عنه لا يُشبع بطنه عام الرمادة حتى ذهب الجَدْب وأتى الخَصب .
    قال الشافعيّ رحمه الله : قال رجل من الأعراب لعمر بعد ما ذهب عام الرّمادة : لقد انجَلَتْ عنكَ ، وإنّكَ لابنُ حُرَّة .
    34ــ " ربِّ قد آتَيتَني من المُلك وعلّمتني من تأويل الأحاديث ، فاطرَ السماوات والأرض ، أنت وليي في الدنيا والآخرة ، توفّني مسلماً وألحقني بالصالحين " . لمّا رآى يوسف عليه السلام نعمته قد تمّت ، وشمله قد اجتمع،
    عرف أن هذه الدار لا يقرّ بها قرار ، وأن كلّ شيء فيها إلى زوال ، وكلّ مَن عليها فان ، وما بعد التمام إلاّ النقصان . فعند ذلك أثنى على ربّه بما هو أهـلـه ، واعترف له بعظيم إحسانه وفضله ، وسأله ــ وهو خير مَن سُئل وأعظم مَن أعطى ــ أن يتوفّاه ، أي أن يتوفّاه على الإسلام ، وأن يُلحقه بعباده الصالحين ، في مراتب النبيين والشهداء والصدّيقين ، وهذا كما يُقال في الدعاء : " اللهمّ أحينا مسلمين ، وتوفّنا مسلمين " ، أي حين تتوفّانا . ويُحتمل أنه سأل ذلك عند احتضاره ــ عليه السلام ــ ، كما سأل سيّدنا محمّد صلى الله عليه وسلم عند احتضاره أن تُرفَعَ روحه إلى الملأ الأعلى ، والرفقاء الصالحين ، من النبيين والمرسلين ، فقال : " اللهمّ في الرفيق الأعـلـى " ثـلاثاً ، ثمّ قضى ، بأبي هو وأمي ونفسي ، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله الطاهرين ، وصحابته والتابعين . ويُحتمل أن يوسف سأل الوفاة على الإسلام منجزاً في صحّته وبدنه وسلامته، وأن ذلك كان سائغاً في ملّتهم وشريعتهم ، كما روى ابن عباس : ما تمنّى نبيّ قطّ الموت قبل يوسف .


    أمّا في ملّتنا وشريعتنا فقد نُهي عن الدعاء بالموت إلاّ عند الفتن ، كما في الحديث : " وإذا أردتَ بقوم فتنة فتوفّنا إليكَ غير مفتونين " . وفي حديث آخر: " إبن آدم ... الموت خير لك من الفتنة " . وقالت مريم عليها الســلام :
    " يا ليتني مِتُّ قبل هذا وكنتُ نسْياً منسياً " . وتمنّى الموتَ علي بن أبي طالب رضي الله عنه لمّا تفاقمت الأمور أيام خلافته ، وعظمت الفتن ، واشتد القتال،
    و كثر القيل والقال .
    وتمنّى الموتَ الإمام أبو عبد الله البخاري ، صاحب الصحيح ، لما اشتدّ عليه الحال ، ولقي من مخالفيه الأهوال .
    وأما في حال الرفاهية ، فقد روى البخاري ومسلم في صحيحَيْهما من حديث أنس رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يتمنينّ أحدكم الموت لضرٍّ نزل به ، إمّا محسناً فلعله يزداد ، وإمّا مسيئاً فلعله يستعتب ، ولكن ليقل : اللهمّ أحيني ما كانت الحياة خيراً لي ، وتوفّني ما كانت الوفاة خيراً لي " . والمراد بالضرّ هنا : ما يخصّ العبد في بدنه ، من مرض و نحوه ، لا في دينه . والظاهر أن يوسف قال ذلك إمّا عند الوفاة أو إذا كان ذلك أن يكون كذلك . وقد ذكر ابن إسحاق عن أهل الكتاب : أن يعقوب عليه السلام أقام بديار مصر عند يوسف سبع عشرة سنة ، ثم توفّى . وكان قد أوصى إلى يوسف أن يُدفن عند أبويه إبراهيم وإسحاق . قال السدّي : فصبّره وسيّره إلى بلاد الشام ، فدفنه بالمغارة عند أبيه إسحاق ، وجدّه إبراهيم ، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين . ثم حضرت الوفاة يوسف عليه السلام . وكان قد أوصى إلى إخوته الذين ظلّوا معه في مصر أن يحملوه معهم إذا خرجوا من مصر بعد وفاته فيُدفن عند آبائه . فحنّطوه ووضعوه في تابوت ، وظلّ بمصر إلى أن أخرجه موسى عليه السلام ، فدفنه عند آبائه .
    حكى ابن جرير الطبري في تفسيره : أن يوسف عليه السلام أُلقي في الجبّ وهو ابن سبع عشرة سنة ، وغاب عن والده ثمانين سنة ، وعاش بعد ذلك ثلاثاً وعشرين سنة ، ومات وهو ابن مائة وعشرين سنة .
    فصلّى الله على نبيّه يوسف وسلّم تسليماً كثيراً ، وجزاه خير الجزاء عن كل ما قدّم من تضحيات وصبر ومصابرة في ذات الله الجليل ، الذي لا يُضيع أجر مَن أحسن عملاً .


    آخر مواضيعي

    إلى من يسأل عن إصدارات المؤسسة العربية الحديثة 2017
    محامية في باب الحارة الثامن
    مأساة تتعرض لها عائلة عصام في باب الحارة الجديد
    خادمة جديدة في باب الحارة الثامن والنمس يحبها
    أبو عصام يصطدم مع المهندس في باب الحارة الثامن والتاسع

     
      رد مع اقتباس
    قديم 8-11-2012م, 05:13 PM   #6
    افتراضي

    · ماذا علّمتني سورة يوسف عليه السلام ؟
    ـــ إنّ يوسف عليه السلام قد قدّم أموراً جليلة ، هي أجلّ من أن تُذكر سريعاً . فهو قد بذل الغالي والنفيس في سبيل الله الواحد الديّان ، ونذر حياته ونفسـه لـله ، ولم يألُ جهداً في دفع الفتن بالإيمان ، والمصاعب بالصبر ، والشدائد باليقين . وإذا كان لا بدّ مِن ذكر بعض الدروس المستقاة من سورة ومواقف هذا النبي الصدّيق ، فأقول وأعترف بأن هذه السورة جعلتني أنظر إلى الحياة بمناظير أخرى . فالحياة لا تساوي شيئاً إذا خسر الإنسان دينه وعقيدته . فيوسف عليه السلام قد فهم ، فهماً يقينياً وعملياً ، أن هذه الحياة ليست سوى معبراً للآخرة التي هي دار القرار والمستقر . وإذا نظر كل إنسان إلى الدنيا بهذا المنظار ، فإن حياته ستكون على غير حالتها ، لأن أساس الفهم أن يعِيَ الإنسان أنه ضيف على هذه البسيطة ، ولا بدّ من قدوم ذلك اليوم المرتقب الذي تُنزع فيه روحه ، والتي كان يُدافع عنها في الدنيا ، ليُجعل في أول منازل الآخرة ، إستعداداً للعرض الأكبر على الـربّ الأعـلـى ، سبحانه وتعالى .
    ـــ لقد أعطاني يوسف عليه السلام دروساً في الصبر على الشدائد والمحن ، مهما عظمت وتفاقمت ، لأن الله العليم الحكيم ، الرؤف الرحيم ، لا يترك عبده ، وإنّما يُنزل به البلاء ليعلم هذا العبد أن هذه الدنيا لا خير فيها إلا بالطاعة ، فينفر قلبه منها ، ليتعلّق بدار النعيم المقيم ، في جـنـان رب العـالمين ، مع النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين ، و حَسُن أولائك رفيقاً .
    ـــ لقد علمني يوسف عليه السلام أن لا أغترّ بالنعم التي يُنعم بها المولى جل جلاله ، بل أن أشكره عليها ، شكر محبة وقبول ، وعبادة وطاعة . فبالشكر تدوم النعم ، وبالكفر تتحوّل إلى نِقم . وإن يوسف عليه السلام لم يغتر بالمنصب الذي آتاه الله ، بل تذكّر نعمة الله عليه ، واعترف بالتقصير ، وسأل الله الوفاة على الدين .
    هذه ، وغيرها ، دروس وعبر مستفادة من سورة الصدّيق يوسف عليه السلام، فاجعلها نُصب عينَيك ، وبهداه اقتده ، فإنه كان على الهدى المبين .
    · لماذا سورة يوسف عليه السلام ؟
    لقد خلّد القرآن الكريم ذكر نبيّ الله يوسف عليه السلام في سورة كاملة ، هي أحسن القصص ، وأقومها قيلاً ، لأن النماذج التي قدّمها يوسف في حياته ، منذ طفولته وحتى وفاته ، كانت نادرة المثال . وما أحوجنا في هذا الزمان لشباب مثل يوسف عليه السلام ، يتقون الله ولا ينتهكون محارمه . وما أحوجنا في هذا الزمان لحاكم مثل يوسف عليه السلام ، يحكم بالعدل ، ويساوي نفسه برعيّته ، فيجوع إذا جاع شعبه ، ويأكل إذا أكل شعبه .
    ولقد حُقّ ليوسف عليه السلام أن يُخلّد ذكره إلى قيام الأشهاد ، نموذجاً يحتذي به الشاب والصغير والكبير ، والفقير والغني ، والحاكم والمحكوم ، والعبد والسيد .
    إن المراحل التي مرّ بها يوسف عليه السلام في حياته كانت مفصلية وصعبة، بدا فيها نبي الله الصدّيق صابراً محتسباً ، لا يُبالي بغير الله ، ولا يخشَ إلاّ الـله . في طفولته ، عانى من إخوته ، ومن مكرهم وكيدهم . وفي ريعان شبابه ألقاه إخوته في الجبّ ، مجرّداً من كل شيءٍ إلاّ من معية الله ، ثم سيق به عبداً لدى عزيز مصر ، وهو حرّ من نسل أحرار ، ليتربى سيّد الدار في داره المستقبلية . ثم رمَتْ به امرأة العزيز في السجن لأنه رفض الرضوخ إليها ، وقبول مشروعها ، واتهمته تهمة هو بريء منها ، براءة الذئب الذي ادّعى إخوته سابقاً أنه أكله . تهمته كانت الفضيلة ، ولو أطاعها لما دعته لبوّأته مراكز رفيعة ، ولكن حاشاه أن يفعل ذلك . وفي السجن كان داعياً إلى الله تعالى ، وإلى توحيده جل في علاه . وهذا دأب النبيين والصالحين والدعاة في كل زمان ومكان . ثم أُخرج من السجن ، ووُلّي زمام أمور مصر ، ووزارة المال والتموين فيها ، فساوى في عطاءاته ، وحكم بالعدل ، حتى جمع الله بينه وبين أخيه ، ثم بينه وبين أبيه ، بعد طول السنين ، ومرارة البـُعد ، وقساوة الفُرقة .


    وكان في جميع أحواله مستعيناً بالله ، راضياً بحكم الله ، في السرّاء والضرّاء،
    مثالاً صحيحاً لحديث نبينا محمّد عليه الصلاة والسلام : " عجباً لأمـر المـؤمـن ، إن أمره كله له خير ، إن أصابته سرّاء شكر فكان خيراً له ، وإن أصابته ضرّاء صبر فكان خيراً له ، وليس ذلك لأحد إلاّ للمؤمن " .

    آخر مواضيعي

    إلى من يسأل عن إصدارات المؤسسة العربية الحديثة 2017
    محامية في باب الحارة الثامن
    مأساة تتعرض لها عائلة عصام في باب الحارة الجديد
    خادمة جديدة في باب الحارة الثامن والنمس يحبها
    أبو عصام يصطدم مع المهندس في باب الحارة الثامن والتاسع

     
      رد مع اقتباس
    قديم 8-11-2012م, 05:14 PM   #7
    افتراضي

    فهرس المراجع
    القرآن الكريم .
    إبن قيّم الجوزية ، مدارج السالكين ، دار الحديث ، القاهرة ، مصر .
    إبن كثير ، قصص الأنبياء ، مكتبة الرسالة ، عمّان ، الأردن .
    الصابوني ، درة التفاسير ، الأفق للطباعة والنشر ، بيروت ، لبنان


    آخر مواضيعي

    إلى من يسأل عن إصدارات المؤسسة العربية الحديثة 2017
    محامية في باب الحارة الثامن
    مأساة تتعرض لها عائلة عصام في باب الحارة الجديد
    خادمة جديدة في باب الحارة الثامن والنمس يحبها
    أبو عصام يصطدم مع المهندس في باب الحارة الثامن والتاسع

     
      رد مع اقتباس
    قديم 1-03-2013م, 11:02 PM   #8
     

    kmheer will become famous soon enough

    kmheer غير متواجد حالياً

    افتراضي

    جزاك الله خيرا

    آخر مواضيعي

     
      رد مع اقتباس
    قديم 1-03-2013م, 11:11 PM   #9
    افتراضي

    وجزاك كل الخير

    آخر مواضيعي

    إلى من يسأل عن إصدارات المؤسسة العربية الحديثة 2017
    محامية في باب الحارة الثامن
    مأساة تتعرض لها عائلة عصام في باب الحارة الجديد
    خادمة جديدة في باب الحارة الثامن والنمس يحبها
    أبو عصام يصطدم مع المهندس في باب الحارة الثامن والتاسع

     
      رد مع اقتباس
    قديم 1-03-2013م, 11:14 PM   #10
     
    الصورة الرمزية rosa
     

    rosa has a reputation beyond reputerosa has a reputation beyond reputerosa has a reputation beyond reputerosa has a reputation beyond reputerosa has a reputation beyond reputerosa has a reputation beyond reputerosa has a reputation beyond reputerosa has a reputation beyond reputerosa has a reputation beyond reputerosa has a reputation beyond reputerosa has a reputation beyond repute

    rosa غير متواجد حالياً

    افتراضي

    سلمت يداك اخي عمر على النقل

    والدعاء لك وله .. بارك الله فيكما وجعله في ميزان حسناتكم

    سورة يوسف من اجمل السور التي اهتمت بحياة نبي قد تحدى الكثير من مغريات الدنيا

    ووقف شامخا امام مكر اخوته .. فصبر ..وصمد ..وسجن .. لكنه اصبح عزيز مصر

    نال الدرجة الرفيعة بأمانته .. وصدقه ..وصبره ..فصدق الله .. فصدقه الله

    تقبل مروري وبارك الله فيك وفي الاخ الفاضل الذي كتب في هذا الموضوع


    آخر مواضيعي

    أفعى بانكوك أكبر افعى بالعالم
    احرصوا على تناوله.. "التين" فوائد علاجية منذ عهد القدماء
    امرأة مسنة تقتل 11 شخصا وتأكل جثثهم
    امرأة مسنة تقتل 11 شخصا وتأكل جثثهم
    الحيرة تصيب العلماء بسبب فتحة عملاقة في سطح الأرض في روسيا

     
    التوقيع:

      رد مع اقتباس
    إنشاء موضوع جديد إضافة رد

    مواقع النشر (المفضلة)

    جديد مواضيع قسم قسم القران الكريم


    الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
     
    أدوات الموضوع
    انواع عرض الموضوع

    تعليمات المشاركة
    لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
    لا تستطيع الرد على المواضيع
    لا تستطيع إرفاق ملفات
    لا تستطيع تعديل مشاركاتك

    BB code is متاحة
    كود [IMG] متاحة
    كود HTML معطلة
    Trackbacks are متاحة
    Pingbacks are متاحة
    Refbacks are متاحة


    المواضيع المتشابهه
    الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
    تفسير قوله تعالى في سورة يوسف ( روح الله) نسائم الفجر قسم القران الكريم 2 11-06-2011م 04:09 PM
    نوح عليه السلام زينة قسم الأنبياء عليهم السلام وقصصهم 1 26-03-2011م 04:39 PM
    هود عليه السلام زينة قسم الأنبياء عليهم السلام وقصصهم 1 26-03-2011م 03:56 PM
    قصة يوسف عليه السلام مع امراة العزيز (قصص من القرآن الكريم rosa قسم الأنبياء عليهم السلام وقصصهم 1 27-11-2010م 08:01 PM
    السلام عليكم - اشرف يوسف Bilal قسم الأناشيد الصوتية 5 15-05-2010م 04:29 PM






    ~ جميع آلمشآركآت آلمكتوبهـ تعبّر عن وجهة نظر صآحبهآ ,, ولا تعبّر بأي شكلـ من آلأشكآل عن وجهة نظر إدآرة آلمنتدى ~