<div style="background-color: none transparent;"><a onclick="_gaq.push(['_trackEvent', 'Outgoing', 'news.rsspump.com', '/']);" rel="nofollow" href="http://news.rsspump.com/" title="rsspump">news</a></div>
  • تابعوا جديدنا في تلفزيون القلعة
  • الأخبار العاجلة منتديات قلعة طرابلس     
    التميز خلال 24 ساعة
     الفارس المميز   الموضوع المميز   المشرف المميز    المراقب المميز 
    قريبا

    قريبا
    قريبا

    المنتدى المتواجدون الآن مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة
    العودة   قلعة طرابلس > المنتدى الإسلامي > القسم الاسلامي العام > قسم القران الكريم
    جروب المنتدى على الفيس بوك ادخل واشترك معانا
    التسجيل اكثر المتميزين خلال 7 ايام ! التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويمالمسابقات اجعل كافة الأقسام مقروءة



    إنشاء موضوع جديد إضافة رد
     
    LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
    قديم 11-02-2013م, 01:32 PM   #221
     
    الصورة الرمزية iscandarnia
     

    iscandarnia has a reputation beyond reputeiscandarnia has a reputation beyond reputeiscandarnia has a reputation beyond reputeiscandarnia has a reputation beyond reputeiscandarnia has a reputation beyond reputeiscandarnia has a reputation beyond reputeiscandarnia has a reputation beyond reputeiscandarnia has a reputation beyond reputeiscandarnia has a reputation beyond reputeiscandarnia has a reputation beyond reputeiscandarnia has a reputation beyond repute

    iscandarnia غير متواجد حالياً

    افتراضي

    (وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد"206")

    ولا يقال له اتق الله إلا إذا كان قد عرف أنه منافق، وماداموا قد قالوا له ذلك فهذا دليل على أن فطنتهم لم يجز عليها هذا النفاق. ونفهم من هذه الآية أن المؤمن كيس فطن، ولابد أن ينظر إلى الأشياء بمعيار اليقظة العقلية، ولا يدع نفسه لمجرد الصفاء الرباني ليعطيه القضية، بل يريد الله أن يكون لكل مؤمن ذاتية وكياسة.
    "وإذا قيل له اتق الله" فكأن المظهر الذي يقول أو يفعل به، وينافي التقوى؛ لأنه قول معجب لا ينسجم مع باطن غير معجب، صحيح أنه يصلي في الصف الأول، ويتحمس لقضايا الدين، ويقول القول الجميل الذي يعجب النبي صلى الله عليه وسلم ويعجب المؤمنين، لكنه سلوك وقول صادر عن نية فاسدة. ومعنى "اتق الله" أي ليكن ظاهرك موافقا لباطنك، فلا يكفي أن تقول قولا يعجب، ولا يكفي أن تفعل فعلا يروق الغير؛ لأن الله يحب أن يكون القول منسجما مع الفعل، وأن يكون فعل الجوارح منسجما مع نيات القلب.
    إذن فالمؤمن لابد وأن تكون عنده فطنة، وذكاء، وألمعية، ويرى تصرفات المقابل، فلا يأخذ بظاهر الأمر. ولا بمعسول القول ولا بالفعل، إن لم يصادف فيه انسجام فعل مع انسجام نية. ولا يكتفي بأن يعرف ذلك وإنما لابد أن يقول للمنافق حقيقة ما يراه حتى يقصر على المنافق أمد النفاق، لأنه عندما يقول له: "اتق الله" يفهم المنافق أن نفاقه قد انكشف، ولعله بعد ذلك يرتدع عن النفاق، وفي ذلك رحمة من المؤمن بالمنافق. وكل من يرى ويلمح بذكائه نفاقاً من أحد هنا يقول له: "اتق الله" فالمراد أن يفضح نفاقه ويقول له: "اتق الله". فإذا قال له واحد: "اتق الله" وقال له آخر: "اتق الله"، وثالث، ورابع، فسيعرف تماما أن نفاقه قد انكشف، ولم يعد كلامه يعجب الناس.
    "وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم"، وتقييد العزة بالإثم هنا يفيد أن العزة قد تكون بغير إثم، ومادام الله قد قال: "أخذته العزة بالإثم"، فهناك إذن عزة بغير إثم. نعم، لأن العزة مطلوبة للمؤمن والله عز وجل حكم بالعزة لنفسه وللرسول وللمؤمنين:

    {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين}
    (من الآية 8 سورة المنافقون)

    وهذه عزة بالحق وليست بالإثم. وما الفرق بين العزة بالحق وبين العزة بالإثم؟ ولنستعرض القرآن الكريم لنعرف الفرق. ألم يقل سحرة فرعون: فيما حكاه الله عنهم:

    {بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون}
    (من الآية 44 سورة الشعراء)

    هذه عزة بالإثم والكذب. وكذلك قوله تعالى:

    {بل الذين كفروا في عزةٍ وشقاقٍ "2"}
    (سورة ص)

    وهي عزة كاذبة أيضا أما قوله عز وجل:

    {سبحان ربك رب العزة عما يصفون "180"}
    (سورة الصافات)

    فتلك هي العزة الحقيقة، إذن فالعزة هي القوة التي تغلب، ولا يغلبها أحد. أما العزة بالإثم فهي أنفة الكبرياء المقرونة بالذنب والمعصية. والحق سبحانه وتعالى يقول لكل من يريد هذا اللون من العزة بالإثم: إن كانت عندك عزة فلن يقوى عليك أحد، ولكن يا سحرة فرعون يا من قلتم بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون، أنتم الذي خررتم سجداً لموسى وقلتم:

    {آمنا برب العالمين "47" رب موسى وهارون "48"}
    (سورة الشعراء)

    ولم تنفعكم عزة فرعون؛ لأنها عزة بالإثم، لقد جاءت العزة بالحق فغلبت العزة بالإثم. لذلك يبين لنا الحق سبحانه وتعالى أن العزة حتى لا تكون بالإثم، يجب أن تكون على الكافر بالله، وتكون ذلة على المؤمن بالله.

    {أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين}
    (من الآية 54 سورة المائدة)

    وكذلك قوله الحق:

    {أشداء على الكفار رحماء بينهم}
    (من الآية 29 سورة الفتح)

    وهذا دليل العزة بالحق، وعلامتها أنها ساعة تغلب تكون في منتهى الانكسار، ولنا القدوة في سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الذي خرج من مكة لأنه لم يستطع أن يحمي الضعفاء من المؤمنين، وبعد ذلك يعود إلى مكة فاتحاً بنصر الله، ويدخل مكة ورأسه ينحني من التواضع لله حتى يكاد أن يمس قربوس سرج دابته، تلك هي القوة، وهي على عكس العزة بالإثم التي إن غلبت تطغى، إنما العزة بالإثم التي إن غلبت تطغى، إنما العزة بالحق إن غلبت تتواضع.
    "وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم" أي أن الأنفة والكبرياء مقرونة بالإثم، والإثم هو المخالف للمأمور به من الحق سبحانه وتعالى، "فحسبه جهنم ولبئس المهاد". أي عزة هذه التي تقود في النهاية إلى النار؟ إنها ليست عزة، ولكنها ذلة، فلا خير في عمل بعده النار، ولا شر في شر بعده الجنة. فإن أردت أن تكون عزيزاً فتأمل عاقبتك وإلي أين ستذهب؟
    "فحسبه" أي يكفيه هذا فضيحة لعزيته بالإثم، وأما كلمة "مهاد" فمعناها شيء ممهد وموطأ، أي مريح في الجلوس والسير والإقامة. ولذلك يسمون فراش الطفل المهد. وهل المهاد بهذه الصورة يناسب العذاب؟ نعم يناسبه تماما؛ لأن الذي يجلس في المهاد لا إرادة له في أن يخرج منه، كالطفل فلا قوة له في أن يغادر فراشه. إذن فهو قد فقد إرادته وسيطرته على أبعاضه. فإن كان المهاد بهذه الصورة في النار فهو بئس المهاد. هذا لون من الناس وفي المقابل يعطينا ـ سبحانه ـ لوناً آخر من الناس فيقول سبحانه:

    آخر مواضيعي

    رئيس مجلس الأمة الكويتى المنحل: مبروك للمصريين إسقاط الإخوان
    المصريون بفرنسا يفوضون الجيش والشرطة المدنية لمواجهة الإرهاب
    إحباط محاولة تهريب أقمشة تشبه ملابس الجيش والشرطة ببورسعيد
    ضبط كميات من الأدوية المسروقة فى طريقها إلى اعتصام رابعة بسيارة إسعاف
    إخلاء "القائد إبراهيم" بالإسكندرية من مؤيدى المعزول

     
    التوقيع:

    الحمد لله

      رد مع اقتباس
    قديم 11-02-2013م, 11:19 PM   #222
    افتراضي

    بارك الله فيكِ على الطرح الرائع
    وجعله فى ميزان حسناتكِ

    آخر مواضيعي

    فى عينيكِ اوطانى
    نغم عينيكِ
    للاْشواق عودة
    نجوم الليل
    برسم ملامحكِ

     
      رد مع اقتباس
    قديم 11-02-2013م, 11:40 PM   #223
     
    الصورة الرمزية جودي
     

    جودي has a reputation beyond reputeجودي has a reputation beyond reputeجودي has a reputation beyond reputeجودي has a reputation beyond reputeجودي has a reputation beyond reputeجودي has a reputation beyond reputeجودي has a reputation beyond reputeجودي has a reputation beyond reputeجودي has a reputation beyond reputeجودي has a reputation beyond reputeجودي has a reputation beyond repute

    جودي غير متواجد حالياً

    افتراضي

    جزاكِ الله كل خير اخت دعاء وجعلها في موازين حسناتك
    على المجهود القيم والمميز
    وفقكِ الله لما يحب ويرضى
    بارك الله فيكِ

    آخر مواضيعي

    لتبييض الأسنان طبيعياً.. إليك 12 نوع من الأطعمة
    ديك بريش مجعد أشبه بشعر الإنسان!
    طريقة عمل تشيز كيك الرمّان
    لماذا يطيل بعض الرجال أظافرهم ؟
    أسباب ضعف الشخصية + كيفية تقويتها

     
    التوقيع:

    ربي لا آعلم مآلذي تحمله لي آلايام
    ولكن ثقتي بآنك معي تكفيني .

      رد مع اقتباس
    قديم 26-02-2013م, 04:39 PM   #225
     
    الصورة الرمزية iscandarnia
     

    iscandarnia has a reputation beyond reputeiscandarnia has a reputation beyond reputeiscandarnia has a reputation beyond reputeiscandarnia has a reputation beyond reputeiscandarnia has a reputation beyond reputeiscandarnia has a reputation beyond reputeiscandarnia has a reputation beyond reputeiscandarnia has a reputation beyond reputeiscandarnia has a reputation beyond reputeiscandarnia has a reputation beyond reputeiscandarnia has a reputation beyond repute

    iscandarnia غير متواجد حالياً

    افتراضي

    (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤوف بالعباد"207")

    والله سبحانه وتعالى ساعة يستعمل كلمة "يشري" يجب أن نلاحظ أنها من الأفعال التي تستخدم في الشيء ومقابله، فـ "شري" يعني أيضا "باع". إذن، كلمة "شري" لها معنيان، واقرأ إن شئت في سورة يوسف قوله تعالى:

    {وشروه بثمن بخٍس}
    (من الآية 20 سورة يوسف)

    أي باعوه بثمن رخيص. وتأتي أيضا بمعنى اشترى، فالشاعر العربي القديم عنترة ابن شداد يقول: فخاض غمارها وشرى وباعا. إذن "شري" لغة، تستعمل في معنيين: إما أن تكون بمعنى "باع"، وإما أن تكون بمعنى "اشترى"، والسياق والقرينة هما اللذان يحددان المعنى المقصود منهم فقول عنترة: "شري وباع" نفهم أن المقصود من "شري" هنا هو "اشترى"، لأنها مقابل "باع"، وقوله تعالى:

    {وشروه بثمن بخٍس}
    (من الآية 20 سورة يوسف)

    يوضحه سياق الآية بأنهم باعوه. وهذا من عظمة اللغة العربية، إنها لغة تريد أناساً يستقبلون اللفظ بعقل، ويجعلون السياق يتحكم في فهمهم للمعاني. "ومن الناس من يشري نفسه" ونفهم "يشري" هنا بمعنى يبيع نفسه، والذي يبيع نفسه هو الذي يفقدها بمقابل. والإنسان عندما يفقد نفسه فهو يضحي بها، وعندما تكون التضحية ابتغاء مرضاة الله فهي الشهادة في سبيله عز وجل، كأنه باع نفسه وأخذ مقابلها مرضاة الله. ومثل ذلك قوله تعالى:

    {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم}
    (من الآية 111 سورة التوبة)

    إن الحق يعطيهم الجنة مقابل أنفسهم وأموالهم. إذن فقوله: "ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله" يعني باع نفسه وأخذ الجنة مقابلا لها، هذا إذا كان معنى "يشري" هو باع. وماذا يكون المعنى إذا كانت بمعنى اشترى؟ هنا نفهم أنه اشترى نفسه بمعنى أنه ضحى بكل شيء في سبيل أن تسلم نفسه الإيمانية. ومن العجب أن هذه الآية قيل في سبب نزولها ما يؤكد أنها تحتمل المعنيين، معنى "باع" ومعنى "اشترى" فهاهو ذا أبو يحيى الذي هو صهيب بن سنان الرومي كان في مكة، وقد كبر سنه، وأسلم وأراد أن يهاجر، فقال له الكفار: لقد جئت مكة فقيراً وآويناك إلى جوارنا وأنت الآن ذو مال كثير، وتريد أن تهاجر بمالك.
    فقال لهم: إإذا خليت بينكم وبين مالي أأنتم تاركوني؟
    فقالوا: نعم.
    قال: تضمنون لي راحلة ونفقة إلى أن أذهب إلى المدينة؟
    قالوا: لك هذا.
    إنه قد شرى نفسه بهذا السلوك واستبقاها إيمانياً بثروته، فلما ذهب إلى المدينة لقيه أبو بكر وعمر فقالا له: ربح البيع يا أبا يحيى.
    قال: وأربح الله كل تجارتكم.
    وقال له سيدنا أبو بكر وسيدنا عمر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرنا أن جبريل أخبره بقصتك، ويروي أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال له: ربح البيع أبا يحيى. إذن معنى الآية وفق هذه القصة: أنه اشترى نفسه بماله، وسياق الآية يتفق مع المعنى نفسه. وهذه من فوائد الأداء القرآني حيث اللفظ الواحد يخدم معنيين متقابلين.
    ولكن إذا كان المعنى أنه باعها فلذلك قصة أخرى، ففي غزة بدر، وهي أول غزة في الإسلام، وكان صناديد قريش قد جمعوا أنفسهم لمحاربة المسلمين في هذه الغزوة، وتمكن المسلمون من قتل بعض هؤلاء الصناديد، وأسروا منهم كثيرين أيضا، وكان ممن قتلوا في هذه الغزوة واحد من صناديد قريش هو أبو عقبة الحارث ابن عامر والذي قتله هو صحابي اسمه خبيب بن عدي الأنصاري الأوسي، وهو من قبيل الأوس بالمدينة، وبعد ذلك مكر بعض الكفار فأرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا رسول الله، إننا قد أسلمنا، ونريد أن ترسل إلينا قوما ليعلمونا الإسلام. فأرسل لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة من أصحابه ليعلموهم القرآن، فغدر الكافرون بهؤلاء العشرة فقتلوهم إلا خبيب بن عدي، استطاع أن يفر بحياته ومعه صحابي آخر اسمه زيد بن الدثنة، لكن خبيباً وقع في الأسر وعرف الذين أسروه أنه هو الذي قتل أبا عقبة الحارث في غزوة بدر، فباعوه لابن أبي عقبة ليقتله مقابل أبيه، فلم يشأ أن يقتله وإنما صلبه حياً، فلما تركه مصلوباً على الخشبة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في المدينة: من ينزل خبيبا عن خشبته وله الجنة؟
    قال الزبير: أنا يا رسول الله.
    وقال المقداد: وأنا معه يا رسول الله.
    فذهبا إلى مكة فوجدا خبيباً على الخشبة وقد مات وحوله أربعون من قريش يحرسونه، فانتهزا منهم غفلتهم وذهبا إلى الخشبة وانتزعا خبيباً وأخذاه، فلما أفاق القوم لم يجدوا خبيباً فقاموا يتتبعون الأثر ليلحقوا بمن خطفوه، فرآهم الزبير، فألقى خبيباً على الأرض، ثم نظر إليه فإذا بالإرض تبتلعه فسمى بليع الأرض. وبعد ذلك التفت إليهم ونزع عمامته التي كان يتخفى وراءها وقال: أنا الزبير بن العوام، أمي صفية بنت عبد المطلب، وصاحبي المقداد، فإن شئتم فاضلتكم ـ يعني يفاخر كل منا بنفسه ـ وإن شئتم نازلتكم ـ يعني قاتلتكم ـ وإن شئتم فانصرفوا، فقالوا: ننصرف، وانصرفوا، فلما ذهب الزبير والمقداد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرهم بالجنة التي صار إليها خبيب.
    إذن فقد باع خبيب نفسه بالجنة. وعلى ذلك فإن ذهبت بسبب نزول الآية إلى أبي يحيى صهيب بن سنان الرومي تكون "شري" بمعنى اشترى، وإن ذهبت بسبب النزول إلى خبيب فتكون بمعنى: باع. وهكذا نجد أن اللفظ الواحد في القرآن الكريم يحتمل أكثر من واقع. وخبيب بن عدي هذا قالت فيه ماوية ابنة الرجل الذي اشتراه ليعطيه لعقبة ليقتله مقابل أبيه، قالت: والله لقد رأيت خبيباً يأكل قطفا من العنب كرأس الإنسان! ووالله ما في مكة حائط ـ بستان ـ ولا عنب وإنما هو رزق ساقه الله له.
    ولما جاءوا ليقتلوه قال: أنظروني أصل ركعتين. فصلى ركعتين ونظر إلى القوم وقال: والله لولا أني أخاف أن تقولوا إنه زاد في الصلاة لكي نبطئ بقتله لزدت. وقال قبل أن يقتلوه: اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تبق منهم أحداً. ثم هتف وقال:
    ولسـت أبالـي حـين أقـتل مسـلماً
    عـلى أي جـنـب كـان فـي الله مصـرعـي
    وكان ذلك آخر ما قاله.
    ويقول الحق: "والله رءوف بالعباد" وما العلاقة بين ما سبق وبين رءوف بالعباد؟ مادام الله رءوفاً بالعباد فلم يشأ الله أن يجعل ذلك أمراً كليا في كل مسلم، وإنما جعلها فلتات لتثبت صدق القضية الإيمانية، لأنه لا يريد أن يضحي كل المسلمين بأنفسهم، وإنما يريد أن يستبقي منا أناسا يحملون الدعوة. وبعد أن عرض الحق سبحانه وتعالى أصناف الناس الذين يستقبلون الدعوة كفرا ونفاقاً، ومن يقابلهم ممن يستقبلونها إيمانا خالصا، نادى جميع المؤمنين فقال:

    آخر مواضيعي

    رئيس مجلس الأمة الكويتى المنحل: مبروك للمصريين إسقاط الإخوان
    المصريون بفرنسا يفوضون الجيش والشرطة المدنية لمواجهة الإرهاب
    إحباط محاولة تهريب أقمشة تشبه ملابس الجيش والشرطة ببورسعيد
    ضبط كميات من الأدوية المسروقة فى طريقها إلى اعتصام رابعة بسيارة إسعاف
    إخلاء "القائد إبراهيم" بالإسكندرية من مؤيدى المعزول

     
      رد مع اقتباس
    قديم 26-02-2013م, 04:42 PM   #226
     
    الصورة الرمزية iscandarnia
     

    iscandarnia has a reputation beyond reputeiscandarnia has a reputation beyond reputeiscandarnia has a reputation beyond reputeiscandarnia has a reputation beyond reputeiscandarnia has a reputation beyond reputeiscandarnia has a reputation beyond reputeiscandarnia has a reputation beyond reputeiscandarnia has a reputation beyond reputeiscandarnia has a reputation beyond reputeiscandarnia has a reputation beyond reputeiscandarnia has a reputation beyond repute

    iscandarnia غير متواجد حالياً

    افتراضي

    (يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين"208")

    تبدأ الآية بنداء الذين أمنوا بالله وكأنه يقول لهم: يا من أمنتم بي استمعوا لحديثي. فلم يكلف الله من لم يؤمن به وإنما خاطب الذين أحبوه وأمنوا به، وماداموا قد أحبوا الله فلابد أن يتجه كل مؤمن إلى من يحبه؛ لأن الله لن يعطيه إلا ما يسعده. إذن فالتكليف من الله إسعادً لمن أحب، "يا أيها الذين أمنوا ادخلوا في السلم كافة"، وكلمة "في" تفيد الظرفية، ومعنى الظرفية أن شيئا يحتوي شيئا، مثال ذلك الكوب الذي يحتوي الماء فنقول: "الماء في الكوب"، وكذلك المسجد يحتوي المصلين فنقول: "المصلون في المسجد". والظرفية تدل على إحاطة الظرف بالمظروف، ومادام الظرف قد أحاط بالمظروف إذن فلا جهة يفلت منها المظروف من الظرف. ولذلك يعطينا الحق سبحانه وتعالى صورة التمكن من مسألة الظرفية عندما يقول:

    {ولأصلبنكم في جذوع النخل}
    (من الآية 71 سورة النخل)


    إن الصلب دائما يكون على شيء، وتشاء الآية الكريمة أن تشرح لنا كيف يمكن أن يكون الصلب متمكنا من المصلوب. فأنت إذا أردت أن تصلب شيئا على شيء فأنت تربطه على المصلوب عليه، فإذا ما بالغت في ربطه كأنك أدخلت المصلوب داخل المصلوب عليه. ومثال ذلك، هات عود كبريت وضعه على إصبعك ثم اربطه بخيط ربطا جيداً، ستلاحظ أن العود قد غاص في جلدك. والحق يقول: "ادخلوا في السلم كافة" والسًلم والسًلمُ والسًلَم هو الإسلام، فالمادة كلها واحدة؛ لأن السلم ضد الحرب، والإسلام جاء لينهي الحرب بينك وبين الكون الذي تعيش فيه لصالحك ولصالح الكون ولتكون في سلام مع الله وفي سلام مع الكون، وفي سلام مع الناس. وفي سلام مع نفسك.
    قوله: "ادخلوا في السلم" معناه حتى يكتنفكم السلم. إن الله هو الإله الخالق للكون ولابد أن تعيشوا في سلام معه؛ لأنكم لا تؤمنون إلا به إلهاً واحداً. فيجب علينا أن نعيش مع الأرض والسماء والكون في سلام؛ لأن الكون الخاضع المقهور المسخر الذي لا يملك أن يخرج عما رسم له يعمل لخدمتك ولا يعاندك.
    والإنسان حين يكون طائعاً يسر به كل شيء في الوجود؛ لأن الوجود طائع ومسبح، فساعة يجد الإنسان مسبحاً مثله يسر به لأنه في سلام مع الكون. وأنت في سلام مع نفسك؛ لأن لك إرادة، وهذه الإرادة قهر الله لها كل جوارحك، والذي تريده من أي عضو يفعله لك، لكن هل يرضى أي عضو عما تأمره به؟ تلك مسألة أخرى، مثلا، لسانك ينفعل بإرادتك، فتقول به: "لا إله إلا الله" وقال الملحدون بألسنتهم والعياذ بالله: "لا إله في الكون" ولم يعص اللسان أحداً من هؤلاء لأنه مقهور لإرادتهم.
    وتنتهي إرادة الإنسان على لسانه وعلى جميع جوارحه يوم القيامة فيشهد عليه كما تشهد عليه سائر أعضائه: الأرجل، والأيدي، والعيون، والآذان، وكل عضو يقر بما كان يفعل به، لأنه لا سيطرة للإنسان على تلك الأبعاض في هذا اليوم. إنما السيطرة كلها للخالق الأعلى. "لمن الملك اليوم لله الواحد القهار". والحق حين ينادي المؤمنين بأن يدخلوا في السلم كافة فالمعنى يحتمل أيضا أن الحق سبحانه وتعالى يخاطب المسلمين ألا يأخذوا بعضاً من الدين، ويتركوا البعض الآخر، فيقول لهم: خذوا الإسلام كله وطبقوه كاملاً؛ لأن الإسلام يمثل بناء له أسس معلومة، وقواعد واضحة، فلا يحاول أحد أن يأخذ شيئاً من حكم بعيداً عن حكم آخر، وإلا لحدث الخلل.
    وعلى سبيل المثال قد تجد خلافاً بين الزوج والزوجة، وقد يؤدي الخلاف إلى معارك وطلاق، وبعد ذلك نجد من يتهم الإسلام بأنه أعطى الرجل سيفاً مسلطاً على المرأة. ونقول لهم: ولماذا تتهمون الإسلام؟ هل دخلت على الزواج بمنطق الإسلام؟. إن كنت قد دخلت على الزواج بمنطق الإسلام فستجد القواعد المنظمة والتي تحفظ للمرأة كرامتها، ولكن هناك من يدخل على الزواج بغير منطق الإسلام، فلما وقع في الأزمة راح ينادي الإسلام. هل اختار الرجل من تشاركه حياته بمقياس الدين؟ وهل وضع نصب عينيه شروط اختيار الزوجة الصالحة التي جاءت في الحديث الشريف:
    < عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك". >

    هل فضل الرجل ذات الدين على سواها؟ أم فضل مقياساً آخر؟. وعندما جاء رجل ليخطب ابنة من أبيها هل وضع الأب مقاييس الإسلام في الاعتبار عند موافقته على هذا الزواج؟ هل فضلتم من ترضون دينه وخلقه؟ أم تركتم تلك القواعد. أنت تركت قواعد الإسلام فلماذا تلوم الإسلام عند سوء النتائج والعواقب؟.
    إنك إن أردت أن تحاسب فلابد أن تأخذ كل أمورك بمقاييس الإسلام، ثم تصرف بما يناسب الإسلام. فإن كنت كذلك فالإسلام يحميك من كل شيء. فالإسلام يساند القوي في الكون ويساند القوي في النفس بحيث تعيش في سلام ولا تتعاند؛ لأن كل ذلك يقابله الحرب. والحرب إنما تنشأ من تعاند القوي، فتتعاند قوى نفسك في حرب مع نفسك، وتتعاند قوى البشر في حرب مع البشر، وتتعاند قواك مع قوى الكون الأخرى، فأنت تعاند الطبيعة وتعاند مع الحق سبحانه وتعالى. إذن فالتعاند ينشأ منه الحرب، والحرب لا تنشأ إلا إذا اختلفت الأهواء. وأهواء البشر لا يمكن أن تلتقي إلا عندما تكون محروسة بقيم من لا هوى له، ولذلك يقول الله عز وجل:

    {ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن}
    (من الآية 71 سورة المؤمنون)


    لماذا؟. دعك من الكون الأصم حولك، أو دعك من الكون الذي لا اختيار له في أن يفعل أو ينفعل لك؛ فهو فاعل أو منفعل لك بدون اختيار منه، ولكن انظر إلى البشر من جنسك، فما الذي يجعل هوى إنسان يسيطر على أهواء غيره؟. ما الذي زاده ذلك الإنسان حتى تكون أنت تابعاً له؟ أو يكون تابعاً لك؟. وفي قانون التبعية لا يمكن إلا أن يكون التابع مؤمنا بأن المتبوع أعلى منه، ولا يمكن لبشر أن توجد عنده هذه الفوقية أبداً. لذلك لابد للبشر جميعاً أن يكونوا تبعاً لقوة آمنوا بأنها فوقهم جميعاً. فحين نؤمن ندخل في السلم، ولا يوجد تعاند بين أي قوى وقوة أخرى؛ لأني لست خاضعاً لك، وأنت لست خاضعاً لي، وأنا وأنت مسلمون لقوة أعلى مني ومنك، ويشترط في القوة التي نتبعها طائعين ألا يكون لها مصلحة فيما تشرع.
    إن المشرعين من البشر يراعون مصالحهم حين يشرعون، فمشرع الشيوعية يضع تشريعه ضد الرأسمالية، ومشرع الرأسمالية يضع تشريعه ضد الشيوعية، لكن عندما يكون المشرع غير منتفع بما يشرع، فهذا هو تشريع الحق سبحانه وتعالى. وحين ندخل في الإسلام ندخل جميعاً لا يشد منا أحد، ذلك معنى "ادخلوا في السلم كافة"، هذا معنى وارد، وهناك معنى آخر وارد أيضا وهو ادخلوا في السلم أي الإسلام بجميع تكاليفه بحيث لا تتركوا تكليفاً يشذ منكم. وحين يأتي المعنى الأول فلأننا لو لم ندخل في السلم جميعاً لشقي الذين يسلمون بالذين لا يسلمون؛ لأن الذي يسلم سيهذب سلوكه بالنسبة للآخرين، ويكون نفع المسلم لسواه، ويشقي المسلم بعد إسلام من لم يسلم، فمن مصلحتنا جميعاً أن نكون جميعاً مسلمين. والذين لا يدركون هذه الحقيقة يفسرون قول الله تعالى:

    {لا يضركم من ضل إذا اهتديتم}
    (من الآية 105 سورة المائدة)



    على غير ظاهرها، فمن ضمن هدايتكم أن تبصروا من لم يؤمن بأن يؤمن؛ لأن مصلحتكم أن تسلموا جميعاً، فإذا أسلمت أنت فسيعود إسلامك على الغير؛ لأن سلوكك سيصبح مستقيما مهذبا، والذي لم يسلم سيصبح سلوكه غير مستقيم وغير مهذب، وستشقى أنت به. إذن فمن مصلحتك أن تقضي وقتاً طويلاً وتتحمل عناء كبيراً في أن تدعو غيرك ليدخل في الإسلام. وإياك أن تقول: إن ذلك يضيع عليك فرص الحياة. لا إنه يضمن لك فرص الحياة، ولن يضيع وقتك لأنك ستحمي نفسك من شرور غير المسلم.
    وأذكر جيداً أننا حين تكلمنا في فاتحة الكتاب قلنا: إن الله يعلمنا أن نقول: "إياك نعبد" فكلنا يا رب نعبدك وسنسعد جميعا بذلك، واهدنا كلنا يا رب؛ لأنك إن هديتني وحدي فسيستمتع غيري بهدايتك لي، وأنا سوف أشقى بضلاله. فمن مصلحتنا جميعاً أن نكون مهديين جميعاً. هذا على معنى "ادخلوا في السلم كافة" أي جميعاً. أما معنى قوله تعالى: "لا يضركم من ضل إذا اهتديتم" أي لا تتحملون أوزار ضلالهم إذا أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر. أما المعنى الثاني فادخلوا في الإسلام بحيث لا يشذ منكم أحد. ويأخذ شيئا وبعضا من الإسلام ويترك بعضا منه، فأنت تريد أن تبني حياتك. ورسول الله صلى الله عليه وسلم شرح أن للإسلام أسساً هي الأركان الخمسة، وإياك أن تأخذ ثلاثة أركان وتترك ركنين؛ لأن هندسة الإسلام مبنية على خمسة أركان.
    وقد قال لي أحد المهندسين: إننا نستطيع أن ننشئ بنياناً على ثلاثة أركان أو على أربعة أو على خمسة. فقلت له: ولكن حين تجعل البنيان على أربعة أركان، وتوزيع الأحمال والأثقال على أربعة أسسن هل يمكنك حين تنشئ أن تجعلها ثلاثة أركان فقط؟. قال: لا. قلت: إذن فالبناء إنما ينشأ من البداية على الأسس التي تريدها، ولذلك فأنت توزع القوى على ثلاثة أو أربعة أو خمسة من البداية. والله سبحانه وتعالى شاء أن يجعل أسس الإسلام خمسة، وبعد ذلك يبني الإسلام، وحين يبني الإسلام فإياك أن تأخذ لبنة من الإسلام دون لبنة، بل يؤخذ الإسلام كله، فالضرر الواقع في العالم الإسلامي إنما هو ناتج من التلفيقات التي تحدث في العالم المسلم. تلك التلفيقات التي تحاول أن تأخذ بعضاً من الإسلام وتترك بعضا، وهذا هو السبب في التعب والضرر؛ لأن الإسلام لابد أن يؤخذ كله مرة واحدة. إذن "ادخلوا في السلم كافة" يعني إياكم أن تتركوا حكماً من الأحكام. إن الذي يتعب المنتسبين إلى الدين الآن أننا نريد أن نلفق حياة إسلامية في بلاد تأخذ قوانينها من بلاد غير إسلامية.
    إذن حتى ننجح في حياتنا، فلابد أن نأخذ الإسلام كله. وللأسف فإن كثيرا من حكام البلاد المسلمة لا يأخذون من الإسلام إلا آخر قوله تعالى: "أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم" إنهم يأخذون "أولي الأمر منكم" ويتركون "أطيعوا الله وأطيعوا الرسول". وأقوال: لماذا تأخذون الأخيرة وتتركون ما قبلها؟ إن الله لم يجعل لولي الأمر طاعة مستقلة بل قال: "أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم" ليدل على أن طاعة ولي الأمر من باطن طاعة الله وطاعة الرسول. فنحن لا نريد تلفيقاً في الإسلام، خذوه كاملاً، تستريحوا أنتم ونستريح نحن معكم.
    إن الحق سبحانه وتعالى يريد بدعوتنا إلى دخول الإسلام أن يعصم الناس من فتنة اختلاف أهوائهم فخفف ورفع عن خلقه ما يمكن أن يختلفوا فيه، وتركهم أحراراً في أن يزاولوا مهمة استنباط أسرار الله في وجوده بالعلم التجريبي كما يحبون، فإن أرادوا قيا فليعملوا عقولهم المخلوقة لله؛ في الكون المخلوق لله، بالطاقة المخلوقة لله؛ ليسعدوا أنفسهم ويدفعوها إلى الرقي، وإن انتهى أحد منهم إلى قضية كونية، واكتشف سراً من الأسرار في الكون فهو لن يقدم للناس جديداً في المنهج، وسيأخذ الناس هذا الجديد ولا يعارضونه.
    إذن فمن الممكن أن يستنبط العلماء بعضاً من أسرار قضايا الكون المادية بوساطة العلم التجريبي، وهي أمور سيتفق عليها الناس، ولكن البشر يمكن أن يختلفوا في الأمور النابعة من أهوائهم؛ لأن لكل واحد هوى، وكل واحد يريد أن يتبع هواه ولا يتبع هوى الآخرين، والحق سبحانه يريد أن يعصمنا من الأهواء لذلك قال لنا: "ادخلوا في السلم كافة" أي ادخلوا في كل صور الإسلام، حتى لا يأتي تناقض الأهواء في المجتمع.
    وكن أيها المؤمن في سلم مع نفسك فلا يتناقض لسانك مع ما في قلبك، فلا تكن مؤمن اللسان كافر القلب. كن منسجما مع نفسك حتى لا تعاني من صراع الملكات. وأيضا كن داخلا في السلام مع الكون الذي تعيش فيه، مع السماء، مع الأرض، مع الحيوان، مع النبات. كن في سلم مع كل تلك المخلوقات لأنها مخلوقة مسخرة طائعة لله، فلا تشذ أنت لتغضبها وتحفظها عليك.
    كن منسجما مع الزمن أيضا، لأن الزمن الذي يحدث فيه منك ما يخالف منهج الله سيلعنك هو والمكان، وإذا أردت أن تشيع سلامك في الكون فعليك كما علمك الرسول صلى الله عليه وسلم أن تسالم كل الكون، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يشيع السلام في الزمان والمكان، وعلى سبيل المثال كان صلى الله عليه وسلم أكثر الناس صياما في شعبان، ولما سأله الصحابة عن هذا أخبرهم أن شعبان شهر يهمله الناس لأنه بين رجب، ـ وهو من الأشهر الحرم الأربعة ـ وبين رمضان، فأحب أن يحيى ذلك الشهر الذي يغفل عنه الناس، فكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يسعد الزمان بأن يشيع فيه لونا من العبادة فلا يجعله أقل من الأزمنة الأخرى.
    كذلك الأمكنة تريد أن تسعد بك، فكل الأماكن تسعد بذكر الله فيها. والحق ـ سبحانه ـ بعد أن أمرنا جميعا بالدخول في السلم بافعل ولا تفعل، حذرنا من اتباع الشيطان لأنه هو الذي يعمل على إبعادنا عن منهج الله فقال جل شأنه:

    {ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين}
    (من الآية 208 سورة البقرة)


    ولماذا لا نتبع خطوات الشيطان؟ لأن عداوته للإنسان عداوة مسبقة، وقف من آدم هذا الموقف، وبعد ذلك أقسم بعزة الله أن يغويكم جميعاً، وإذا كان الحق سبحانه وتعالى قد حكى لنا القصة فكأنه أعطانا المناعة، أي أن الشيطان لم يفاجئنا. وإنما وضع الحق أمامنا قصة الشيطان مع آدم واضحة جلية ليعطينا المناعة، بدليل أننا حين نريد أن نصون أجسامنا نجعل لأنفسنا مناعة قبل أن يأتي المرض، نطعم أنفسنا ضد شلل الأطفال، وضد الكوليرا، وضد كذا، وكذا، فكأن الله سبحانه وتعالى يذكر قصة الشيطان مع أبينا آدم ليقول لنا: لاحظوا أن عداوته مسبقة.
    ومادام له معكم عداوة مسبقة فلن يأخذكم على غرة؛ لأن الله نبهكم لتلك المسألة مع الخلق الأول. والشيطان عندما يذكر في القرآن يراد به مرة عاصي الجن، لأن طائع الجن مثل طائع البشر تماما، ومرة يريد به شياطين الإنس. إذن من الجن شياطين، ومن الإنس شياطين.
    وحتى تستطيع أن تفرق بين ما يزينه الشيطان وبين ما تزينه لك نفسك، فإن رأيت نفسك مصرا على معصية من لون واحد فاعلم أن السبب هو نفسك، لأن النفس تريدك عاصيا من لون يشبع نقصا فيها فهي تصر عليه: إنسان يحب المال فتتسلط عليه نفسه من جهة المال، وإنسان آخر يحب الجنس فتتسلط عليه نفسه من جهة النساء، وثالث يحب الفخر والمديح فتتسلط عليه نفسه من جهة من ينافقه. لكن الشيطان لا يصر على معصية بعينها، فإن رآك قد امتنعت عن معصية فهو يزين لك معصية أخرى؛ لأنه يريدك عاصيا على أية جهة. والحق يحذرنا "ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين". وليس هناك عداوة أوضح من عداوة الشيطان بعد أن وقف من آدم وقال ما أورده الحق على لسانه:

    {لأغوينهم أجمعين "82" إلا عبادك منهم المخلصين "83"}
    (من الآية 82،83 سورة ص)


    ويقول الحق من بعد ذلك:

    آخر مواضيعي

    رئيس مجلس الأمة الكويتى المنحل: مبروك للمصريين إسقاط الإخوان
    المصريون بفرنسا يفوضون الجيش والشرطة المدنية لمواجهة الإرهاب
    إحباط محاولة تهريب أقمشة تشبه ملابس الجيش والشرطة ببورسعيد
    ضبط كميات من الأدوية المسروقة فى طريقها إلى اعتصام رابعة بسيارة إسعاف
    إخلاء "القائد إبراهيم" بالإسكندرية من مؤيدى المعزول

     
      رد مع اقتباس
    قديم 26-02-2013م, 04:47 PM   #227
     
    الصورة الرمزية iscandarnia
     

    iscandarnia has a reputation beyond reputeiscandarnia has a reputation beyond reputeiscandarnia has a reputation beyond reputeiscandarnia has a reputation beyond reputeiscandarnia has a reputation beyond reputeiscandarnia has a reputation beyond reputeiscandarnia has a reputation beyond reputeiscandarnia has a reputation beyond reputeiscandarnia has a reputation beyond reputeiscandarnia has a reputation beyond reputeiscandarnia has a reputation beyond repute

    iscandarnia غير متواجد حالياً

    افتراضي

    (فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله عزيز حكيم "209")

    والزلة هي المعصية، وهي مأخوذة من "زال"، وزال الشيء أي خرج عن استقامته، فكأن كل شيء له استقامة، والخروج عنه يعتبر زللا، والزلل: هو الذنوب والمعاصي التي تخالف بها المنهج المستقيم. "من بعد ما جاءتكم البينات" إنه سبحانه يوضح لنا أنه لا عذر لكم مطلقا في أن تزلوا؛ لأنني بينت لكم كل شيء، ولم أترككم إلى عقولكم، ومن المنطقي أن تستعملوا عقولكم استعمالا صحيحا لتديروا حركة الكون الذي استخلفتكم فيه، ومع ذلك، إن أصابتكم الغفلة فأنا أرس الرسل. ولذلك قال سبحانه:

    {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً}
    (من الآية 15 سورة الإسراء)


    لقد رحم الله الخلق بإرسال الرسل ليبينوا للإنسان الطريق الصحيح من الطريق المعوج. والحق سبحانه وتعالى يترك بعض الأشياء للبشر ليأتوا بفكر من عندهم ثم يرتضي الإسلام ما جاءوا به ليعلمنا أن العقل إذا ما كان طبيعيا ومنطقيا فهو قادر على أن يهتدي إلى الحكم بذاته. وفي تاريخ الإسلام نجد أن سيدنا عمر قد رأى أشياء واقترح بعضا من الاقتراحات، ووافق عليها الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم ينزل القرآن على وفق ما قاله عمر، وقد يتساءل أحد قائلا: ألم يكن النبي صلى الله عليه وسلم أولى؟
    نقول: لو كانت تلك الآراء قد جاءت من النبي صلى الله عليه وسلم لما كان فيها غرابة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم معصوم ويوحي إليه، لكن الله يريد أن يقول لنا: أن العقل الفطري عندما يصفو فهو يستطيع أن يهتدي للحكم الصحيح، وإن لم يكن هناك حكم قد نزل من السماء. ولذلك تستفز أحكام سيدنا عمر عدداً كبيراً من المستشرقين ويقولون: أليس عندكم سوى عمر؟ لماذا لا تقولون محمدا؟
    نقول لهم: لقد تربى عمر في مدرسة النبي صلى الله عليه وسلم، فما يقوله هو، إنما قد أخذه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أقر عمر بذلك وقال: "ما عمر لولا الإسلام"، ونحن نستشهد بعمر لأنه بشر وليس رسولاً، ويسري عليه ما يسري على البشر، فلا يوحي إليه ولم يكن معصوما. إذن كأن الحق أراد أن يقرب لنا القدرة على الاستنباط والفهم فنكون جميعا عمر؛ لأن عمر بالفطرة كان يهتدي إلى الصواب، ويقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "نفعل كذا"، فينزل الوحي موافقا لرأيه، فكأن الله لم يكلفنا شططا، إنما جاء تكليفه ليحمي العقول من أهواء النفس التي تطمس العقول، فآفة الرأي الهوى، ولولا وجود الأهواء لكانت الآراء كلها متفقة.
    وقديما أعطوا لنا مثلا بالمرأة التي جمعت الصيف والشتاء في ليلة واحدة، فقد زوجت ابنها وابنتها، وعاش الأربعة معها في حجرة واحدة، ابنها معه زوجته، وابنتها معها زوجها، والمرأة معهم، تنام نوما قليلا وتذهب لابنتها توصيها: "دفئي زوجك وأرضيه" فالجو بارد، وتذهب لابنها وتقول: "ابعد عن زوجتك فالدنيا حر". إن المكان واحد، والليل واحد، لكن المرأة جعلته صيفاً وشتاء في وقت واحد والسبب هو هوى النفس. والله ـ سبحانه ـ يبين لنا ذلك في قوله:

    {ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن}
    (من الآية 71 سورة المؤمنون)


    إذن فالحق سبحانه وتعالى يعصمنا حين يشرع لنا، فالبشر يضيقون ذرعا بتقنينات أنفسهم لأنفسهم، فيحاولون أن يخففوا من خطأ التقنين البشري، فيقننوا أشياء يعدلون بها ما عندهم، ولو نظرت إلى ما عدلوه من قوانين لوجدته تعديلا يلتقي مع الإسلام أو يقترب من الإسلام. لقد سألوني في أمريكا: لماذا لم يظهر الإسلام فوق كل العقائد برغم أنكم تقولون: إن الله يقول في كتابه: "ليظهره على الدين كله". ومع ذلك لم يظهر دينكم على كل الأديان، ولم يزل كثير من الناس غير مسلمين سواء كانوا يهودا أو نصارى أو بلا دين؟
    قلت: لو فطنتم إلى قول الله: "ولو كره الكافرون" و"لو كره المشركون" لدلكم ذلك على أن ظهور الإسلام قد تم مع وجود كفار، وظهوره مع وجود مشركين، وإلا لو ظهر ولا شيء معه فممن يكره؟ إن العقيدة التي يكرهها أهل الكفر هي التي تعزز وجود الإسلام. إذن "ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون" يدل على أن ظهور الإسلام يعني وجود كافر ووجود مشرك كلاهما سيكون موجودا وسيكرهان انتشار الدين.
    وعندما نرى أحداث الحياة تضطر البلاد الغربية عندما يجدون خطأ تقنينهم فيحاولون أن يعدلوا في التقنيات فلا يجدون تعديلا إلا أن يذهبوا إلى أحكام الإسلام، لكنهم لم يذهبوا إليه كدين إنما ذهبوا إليه كنظام، إن رجوعهم إلى الإسلام لدليل وتأكيد على صحة وسلامة أحكام الإسلام، لأنهم لو أخذوا تلك الأحكام كأحكام دين لقال غيرهم: قوم تعصبوا لدين أمنوا به فنفذوا أحكامه. ولكنهم برغم كرههم للدين، اضطروا لأن يأخذوا بتعاليمه، فكأنه لا حل عندهم إلا الأخذ بما ذهب إليه الإسلام.
    إذن قول الله: "ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون" قوة لنظام الإسلام، لا لتؤمن به وإنما تضطر أن تلجأ إليه، وكانوا في إيطاليا ـ على سبيل المثال ـ يعيبون على الإسلام الطلاق ويعتبرونه انتقاما لحقوق المرأة، ولكن ظروف الحياة والمشكلات الأسرية اضطرتهم لإباحة الطلاق، فهل قننوه لأن الإسلام قال به؟ لا، ولكن لأنهم وجدوا أن حل مشكلاتهم لا يأتي إلا منه. وفي أمريكا عندما شنوا حملة شعواء على تناول الخمور، هل حاربوها لأن الإسلام حرمها؟ لا، ولكن لأن واقع الحياة الصحية طلب منهم ذلك. إذن "ولو كره الكافرون"، "ولو كره المشركون": معناهما أنهم سيلجأون إلى نظام الإسلام ليحل قضاياهم. فإن لم يأخذوه كدين فسوف يأخذونه نظاما. "فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله عزيز حكيم" أي إياكم أن تظنوا أنكم بزللكم أخذتم حظوظ أنفسكم من الله، فإن مرجعكم إلى الله وهو عزيز وعزته سبحانه هي أنه يغلب ولا يُغلب، فهو يدبر أمورنا برحمة وحكمة.


    آخر مواضيعي

    رئيس مجلس الأمة الكويتى المنحل: مبروك للمصريين إسقاط الإخوان
    المصريون بفرنسا يفوضون الجيش والشرطة المدنية لمواجهة الإرهاب
    إحباط محاولة تهريب أقمشة تشبه ملابس الجيش والشرطة ببورسعيد
    ضبط كميات من الأدوية المسروقة فى طريقها إلى اعتصام رابعة بسيارة إسعاف
    إخلاء "القائد إبراهيم" بالإسكندرية من مؤيدى المعزول

     
      رد مع اقتباس
    قديم 26-02-2013م, 04:51 PM   #228
     
    الصورة الرمزية iscandarnia
     

    iscandarnia has a reputation beyond reputeiscandarnia has a reputation beyond reputeiscandarnia has a reputation beyond reputeiscandarnia has a reputation beyond reputeiscandarnia has a reputation beyond reputeiscandarnia has a reputation beyond reputeiscandarnia has a reputation beyond reputeiscandarnia has a reputation beyond reputeiscandarnia has a reputation beyond reputeiscandarnia has a reputation beyond reputeiscandarnia has a reputation beyond repute

    iscandarnia غير متواجد حالياً

    افتراضي

    (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر وإلى الله ترجع الأمور "210")

    أي ماذا ينتظرون؟ هل ينتظرون أن تداهمهم الأمور ويجدوا أنفسهم في كون وإن أخذ زخرفة فهو يتحول إلى هشيم تذروه الرياح، ويصير الإنسان أمام لحظة الحساب. وقوله: "هل ينظرون" مأخوذة من النظر. والنظر هو طلب الإدراك لشيء مطلق. وطلب الإدراك لأي شيء بأي شيء يسمى نظرا. ومثال ذلك أننا نقول لأي إنسان يتكلم في أي مسألة معنوية: أليس عندك نظر؟ أي هل تملك قوة الإدراك أم لا؟ إذن فالنظر هو طلب الإدراك للشيء، فإن طلبت أن ترى فهو النظر بالعين، وإن طلبت أن تعرف وتعلم؛ فهو النظر بالفكر وبالقلب. وأحيانا يطلق النظر على الانتظار، وهو طلب إدراك ما يتوقع.
    و"هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله"، يعني هل ينتظرون إلا أن تأتيهم الساعة وتفاجئهم في الزمن الخاص؟ لأنها لن تفاجئ أحدا في الزمن العام، فسوف يكون لها آيات صغرى وآيات كبرى، ومعنى أن لها آيات صغرى وكبرى، أن ذلك دليل على أن الله يمهلنا لنتدارك أنفسنا، فلا يزال فاتحا لباب التوبة ما لم تطلع الشمس من مغربها. وساعة نسمع قوله تعالى: "هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله" نقول: ما الذي يؤجل دخولهم في الإسلام كافة؟ ما الذي ينتظرونه؟ تماما كأن تقول لشخص أمامك: ماذا تنتظر؟ كذلك الحق يحثنا على الدخول في السلم كافة وإلا فماذا تنظرون؟
    و"إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغيام والملائكة" ساعة تقول: "يأتيهم الله" أو "جاء ربك" أو يأتي سبحانه بمثل في القرآن مما نعرفه في المخلوقين من الإتيان والمجيء وكالوجه واليد، فلتأخذه في إطار "ليس كمثله شيء" فالله موجود وأنت موجود، فهل وجودك كوجوده؟ لا. إن الله حي وأنت حي، أحياتك كحياته؟ لا. والله سميع وأنت سميع، أسمعك كسمعه؟ لا. والله بصير وأنت بصير، أبصرك كبصره؟ لا. ومادمت تعتقد أن له صفات مثلها فيك، فتأخذها بالنسبة لله في إطار "ليس كمثله شيء".
    ولذلك يقول المحققون: إنك تؤمن بالله كما أعطاك صورة الإيمان به لكن في إطار لا يختلف عنه عما في أنه "ليس كمثله شيء"، وإن أمكن أن تتصور أي شيء فربك على خلاف ما تتصور، لأن ما خطر ببالك فإن الله سبحانه على خلاف ذلك، فبال الإنسان لا يخطر عليه إلا الصور المعلومة له، ومادامت صورا معلومة فهي في خلق الله وهو سبحانه لا يشبه خلقه. إن ساعة يتجلى الحق، سيفاجئ الذين تصوروا الله على أية صورة، أنه سبحانه على غير ما تصوروا وسيأتيهم الله بحقيقة لم تكن في رءوسهم أبداً؛ لأنه لو كانت صورة الحق في بال البشر لكان معنى ذلك أنهم أصبحوا قادرين على تصوره، وهو القادر لا ينقلب مقدوراً عليه أبداً، ومن عظمته أن العقل لا يستطيع أن يتصوره مادياً. ولذلك ضرب الله لنا مثلاً يقرب لنا المسألة، فقال:

    {وفي أنفسكم أفلا تبصرون "21"}
    (سورة الذاريات)


    إن الروح الموجودة في مملكة جسمنا والتي إذا خرجت من إنسان صار جيفة، وعاد بعد ذلك إلى عناصر تتحلل وأبخرة تتصاعد، هذه الروح التي في داخل كل منا لم يستطع أحد تصورها، أو تحديد مكانها أو شكلها، هذه الروح المخلوقة لله لم نستطع أن نتصورها، فكيف نستطيع أن نتصور الخالق الأعظم؟ "هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله" يعني بما لم يكن في حسبانهم. هل ينتظرون حتى يروا ذلك الكون المنسق البديع قد اندثر، والكون كله تبعثر، والشمس كورت والنجوم انكدرت، وكل شيء في الوجود تغير، وبعد ذلك يفاجأون بأنهم أمام ربهم. فماذا ينتظرون؟.
    إذن يجب أن ينتهزوا الفرصة قبل أن يأتي ذلك الأمر، وقبل أن تفلت الفرصة من أيديهم وينهي أمد رجوعهم إلى الله. لماذا يسوفون في أن يدخلوا في السلم كافة؟ ما الذي ينتظرونه؟ أينتظرون أن يتغير الله؟ أو أن يتغير منهج الله؟ إن ذلك لن يحدث. ونؤكد مرة أخرى أننا عندما نسمع شيئاً يتعلق بالحق فيما يكون مثله في البشر فلنأخذه في إطار "ليس كمثله شيء". فكما أنك أمنت بأن لله ذاتاً لا كالذوات، فيجب أن تعلم أن لله صفات ليست كالصفات، وأن لله أفعالاً ليست كالأفعال، فلا تجعل ذات الله مخالفة لذوات الناس؛ ثم تأتي في الصفات التي قال الله فيها عن نفسه وتجعلها مثل صفات الناس، فإذا كان الله يجئ؛ فلا تتصور مجيئه أنه سيترك مكاناً إلى مكان، فهو سبحانه يكون في مكان بما لا يخلو عنه مكان، تلك هي العظمة.
    فإذا قيل: "إلا أن يأتيهم الله" فلا تظن أن إتيانه كإتيانك، لأن ذاته ليست كذاتك، ولأن الناس في اختلاف درجاتهم تختلف أفعالهم، فإذا كان الناس يختلفون في الأفعال باختلاف منازلهم، وفي الصفات باختلاف منازلهم، فالحق منزه عن كل شيء وكل تصور، ولنأخذ كل شيء يتعلق به في إطار "ليس كمثله شيء"؛ ففعل ربك يختلف عن فعلك. وإياك أن تخضع فعله لقانون فعلك؛ لأن فعلك يحتاج إلى علاج وإلي زمن يختلف باختلاف طاقتك وباختلاف قدرتك، والله لا يفعل الأشياء بعلاج بحيث تأخذ منه زمنا ولكنه يقول: "كن فيكون".
    كأن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يعطينا صورة عن الإنجاز الذي لا دخل لاختيار البشر في أن يخالفوا فيه فيقول: ساعة يجئ الأمر انخلعت كل قدرة لمخلوق عن ذلك الأمر وأصبح الأمر لله وحده. و"في ظلل من الغمام". فيه شيء يظللك وفيه شيء تستظل به، والشيء الذي يظللك لا يكون لك ولاية عليه في أن يظللك إلا أن ترى أين ظله وتذهب إليه، وشيء آخر تستطيع أنت التصرف فيه كالمظلة تفتحها في أي مكان تريد. وكلمة "ظلل" معناها أنها تستر عنك مصدر الضوء؛ ولذلك حينما أراد الحق سبحانه وتعالى أن يصور لنا ذلك قال:

    {وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله}
    (من الآية 32 سورة لقمان)


    أي جاءهم الفزع الأكبر كالظلة محيطاً بهم، فكأن الله يريد أن يخبرنا أن الكون سيندثر كله وسيأتيك الأمر المفزع، الأمر المفجع، والمؤمن كان يتوقعه، وسيدخل عليه برداً وسلاماً؛ لأنه ما آمن من أجله، لكن الكافر سيصاب بالفزع الأكبر؛ لأنه فوجئ بشيء لم يكن في حسابه. وقارن بين مجيء الأمر لمن يؤمله، وبين مجيء الأمر لمن لا يؤمله. إن الحق سبحانه وتعالى قال: ساعة تجيء هذه الظلل والملائكة فقد قضى الأمر. وعندما تسمع "قضى الأمر" فاعلم أن المراد أن الفرصة أفلتت من أيدي الناس، فمن لم يرجع إلى ربه قبل الآن فليست له فرصة أن يرجع. ومثال ذلك ما قاله الحق في قصة نوح:

    {وقضى الأمر واستوت على الجودي}
    (من الآية 44 سورة هود)


    أي انتهى كل شيء، ولم يعد للناس قدرة على أن يرجعوا عما كانوا فيه. فالله يقول: ماذا تنتظرون؟ هل تنتظرون حتى يأتيكم هذا اليوم؟ لابد أن تنتهزوا الفرصة لترجعوا إلى ربكم قبل أن تفلت منكم فرصة العودة. "وإلى الله ترجع الأمور"، ومرة تأتي "وإلى الله ترجع الأمور". وفيه فرق بين "ترجع الأمور" بفتح التاء وبين "تُرجع الأمور" بضم التاء. فكأن الأمور مندفعة بذاتها، ومرة تساق إلى الله. إن الراغب سيرجع إلى ربه بنفسه؛ لأنه ذاهب إلى الخير الذي ينتظره، أما غير الراغب والذي كان لا يرجو لقاء ربه فسيرجع بالرغم عنه، تأتي قوة أخرى ترجعه، فمن لم يجئ رغباً يأتي رهبا.
    ويقول الحق بعد ذلك:


    آخر مواضيعي

    رئيس مجلس الأمة الكويتى المنحل: مبروك للمصريين إسقاط الإخوان
    المصريون بفرنسا يفوضون الجيش والشرطة المدنية لمواجهة الإرهاب
    إحباط محاولة تهريب أقمشة تشبه ملابس الجيش والشرطة ببورسعيد
    ضبط كميات من الأدوية المسروقة فى طريقها إلى اعتصام رابعة بسيارة إسعاف
    إخلاء "القائد إبراهيم" بالإسكندرية من مؤيدى المعزول

     
      رد مع اقتباس
    قديم 26-02-2013م, 04:52 PM   #229
     
    الصورة الرمزية iscandarnia
     

    iscandarnia has a reputation beyond reputeiscandarnia has a reputation beyond reputeiscandarnia has a reputation beyond reputeiscandarnia has a reputation beyond reputeiscandarnia has a reputation beyond reputeiscandarnia has a reputation beyond reputeiscandarnia has a reputation beyond reputeiscandarnia has a reputation beyond reputeiscandarnia has a reputation beyond reputeiscandarnia has a reputation beyond reputeiscandarnia has a reputation beyond repute

    iscandarnia غير متواجد حالياً

    افتراضي

    (سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب"211")

    فكأن الله لم يحمل على بني إسرائيل ويريد منهم أن يقروا على أنفسهم بما أكرمهم به الله من خير سابق؛ فساعة تقول: "اسأل فلاناً عما فعلته معه"، كأنك لا تأمر بالسؤال إلا عن ثقة، وأنه لن يجد جواباً إلا ما يؤيد قولك. والحق يبلغ رسوله صلى الله عليه وسلم أن يسأل بني إسرائيل عن الخير السابق الذي غمرهم به وهو سبحانه عليهم أنهم لن يستطيعوا مع لددهم أن يتكلموا إلا بما يوافق القضية التي يقولها الحق وتصبح حجة عليهم.
    والحق سبحانه وتعالى يقول: "سل بني إسرائيل كم آتيناهم" ساعة تسمع "كم" في مقام كهذا فافهم أنها كناية عن الإخبار عن الأمر الكثير بخلاف "كم" التي تريد بها الاستفهام. وأنت تقول: "كم فعلت كذا مع فلان" و"كم صنعت معه معروفاً" و"كم تهاونت معه" و"كم أكرمته". لذلك فعندما تسمع "كم" هذه فاعرف أن معناها الكمية الكثيرة التي يكنى بها على أن عدد لا يحصى. "سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بنية" إن الحق يريد أن يضرب لنا مثلاً كمثل إنسان يأكل خيرك وينكر معروفك، ويشكوك إلى إنسان، فترد أنت لم ينقل لك الشكوى: سله ماذا قدمت له من جميل، أنا لن أتكلم بل سأجعله هو يتكلم. وأنت لا تقول ذلك إلا وأنت على ثقة من أنه لا يستطيع أن يغير شيئاً.
    ألم يفلق لهم البحر؟. ألم يجعل عصا موسى حية؟ ألم يظللهم الله بالغمام؟ ألم يعطهم الله المن والسلوى؟ كل ذلك أعطاه الله لهم؛ فلم يشكروا نعمة الله، فحل عليهم غضبه؛ أخذهم بالسنين والجوع وأخذهم بالقمل والضفادع والدم، كل ذلك فعله الله معهم .. وحين يقول الحق لرسوله: "سل بني إسرائيل" فالقول منسحب على أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإذا جاءك واحد منهم فاسأله: كم آية أعطاها الله لكم فأنكرتموها، وتلكأتم. وتعنتم. "كم آتيناهم من آية بينة" إن "كم" تدل على الكمية الكبيرة، و"من آية": معناها الأمر العجيب. و"بينة" تعني الأمر الواضح الذي لا يمكن أن يغفل عنه أحد.
    "سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة، ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب". وكيف يبدل الإنسان نعمة الله؟. إن نعمة الله حين تصيب خلقاً فالواجب عليهم أن يستقبلوها بالشكران، ومعنى الشكران هو نسبتها إلى واهبها والاستحياء أن يعصوا من أنعم عليهم بها. فإذا استقبل الناس النعمة بغير ذلك فقد بدلت. ولذلك يقول الحق في آية أخرى: "ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً" وماداموا قد بدلوها كفراً، فيكون الكفر هو الذي جاء مكان الإيمان. إذن كان المطلوب أن يقابلوا النعمة بالإيمان، بالازدياد في التقرب إلى الله، لكنهم بدلوا النعمة بالكفر.
    "ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب" قد نفهم أن معنى "شديد العقاب" هو أمر يتعلق بالآخرة، ولعل أناساً يستبطئون الآخرة، أو أناساً غير مؤمنين بالآخرة، فلو كان الأمر بالعقاب يقتصر على عقاب الآخرة لشقي الناس بمن لا يؤمنون بالآخرة .. أو يستبطئونها لأن هؤلاء يعيثون في الأرض فساداً؛ لأنهم لا يخافون الآخرة ولا يؤمنون بها، أو أنها لا تخطر ببالهم. فالذي يؤمن بأن هناك آخرة تأتي وسيكون فيها حساب، هو الذي سيكون سلوكه على مقتضى ذلك الإيمان. أما الذي لا يؤمن أن هناك يوماً آخر فالدنيا تشقي به. فإذا لم يعجل الله بلون من العقوبة للذين لا يؤمنون بالآخرة أو الذين يستبطئون الآخرة لشقي الناس بهؤلاء الذين لا يؤمنون أو يستبطئون.
    وكل جماعة لا تقبل على منهج الله، ويبدلون نعمة الله كفراً لابد أن يكون لله فيهم عقاب عاجل، وذلك ليعلم الناس أن من لم يرتدع إيماناً وخوفاً من اليوم الآخر فعليه أن يرتدع مخافة أن يأتيه العقاب في الدنيا. فالظالم إذا علم أن ظالماً مثله لقي عقابه وحسابه في الدنيا فسيخاف أن يظل؛ وإن لم يكن مؤمناً بالآخرة، لأنه سيتأكد أن الحساب واقع لا محالة. ولذلك لا يؤجل الله العقاب كله إلى الآخرة ولكن ينزل بعضا منه في الدنيا. ويقول الحق في الذين يبدلون نعمة الله كفراً:

    {وأحلوا قومهم دار البوار "28" جهنم يصلونها وبئس القرار "29" }
    (سورة إبراهيم)


    هذه عقوبة الآخرة ولمن يتركهم الله في الدنيا دون أن ينالهم العقاب. وحتى الذين يظلمون ويتعسفون مع أنهم مسلمون لا يتركهم الله بلا عقاب في الدنيا حتى يأتيهم يوم القيامة بل لابد أن يجئ لهم من واقع دنياهم ما يخيف الناس من هذه الخواتيم حتى تستقيم حركة الحياة بين الناس جميعا، وإلا فسيكون الشقاء واقعا على الناس من هؤلاء ومن الذين لا يؤمنون بعقاب الآخرة.
    وكان بعض الصالحين يقول: "اللهم إن القوم قد استبطأوا آخرتك وغرهم حلمك فخذهم أخذ عزيز مقتدر"؛ لأنه سبحانه لو ترك عقابهم للآخرة لفسدوا وكانوا فتنة لغيرهم من المؤمنين. ولذلك شاء الله أن يجعل في منهج الإيمان تجريماً وعقوبة تقع في الدنيا، لماذا؟ حتى لا يستشري فساد من يشك في أمر الآخرة. وشدة عقاب الله لا يجعلها في الآخرة فقط، بل جعلها في الدنيا أيضاً؛ ولذلك يقول الله سبحانه وتعالى:

    {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشةً ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى "124"}
    (سورة طه)


    ثم يقول سبحانه وتعالى:


    آخر مواضيعي

    رئيس مجلس الأمة الكويتى المنحل: مبروك للمصريين إسقاط الإخوان
    المصريون بفرنسا يفوضون الجيش والشرطة المدنية لمواجهة الإرهاب
    إحباط محاولة تهريب أقمشة تشبه ملابس الجيش والشرطة ببورسعيد
    ضبط كميات من الأدوية المسروقة فى طريقها إلى اعتصام رابعة بسيارة إسعاف
    إخلاء "القائد إبراهيم" بالإسكندرية من مؤيدى المعزول

     
      رد مع اقتباس
    قديم 26-02-2013م, 04:53 PM   #230
     
    الصورة الرمزية iscandarnia
     

    iscandarnia has a reputation beyond reputeiscandarnia has a reputation beyond reputeiscandarnia has a reputation beyond reputeiscandarnia has a reputation beyond reputeiscandarnia has a reputation beyond reputeiscandarnia has a reputation beyond reputeiscandarnia has a reputation beyond reputeiscandarnia has a reputation beyond reputeiscandarnia has a reputation beyond reputeiscandarnia has a reputation beyond reputeiscandarnia has a reputation beyond repute

    iscandarnia غير متواجد حالياً

    افتراضي

    (زين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون من الذين آمنوا والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة والله يرزق من يشاء بغير حسابٍ "212")

    يريد الحق سبحانه وتعالى أن يبين واقع الإنسان في الكون، هذا الواقع الذي يدل على أنه سيد ذلك الكون، ومعنى ذلك أن كل الأجناس تخدمه. وقد عرفنا أن الجماد يخدم النبات، والجماد والنبات يخدمان الحيوان، والجماد والنبات والحيوان تخدم الإنسان، فالإنسان سيد هذه الأجناس.
    وكان مقتضى العقل أن يبحث هذا السيد عن جنس أعلى منه، فكما كانت الأجناس التي دونه في خدمته، فلابد أن يكون هذا الجنس الأعلى يناسب سيادته، ولن يجد شيئا في الوجود أبدا أعلى من الجنس الذي ينتسب إليه، لذلك كان المفروض أن يقول الإنسان: أنا أريد جنسا ينبهني عن نفسي؛ فأنا في أشد الاحتياج إليه. فإذا جاء الرسل وقالوا: إن الذي أعلى منك أيها الإنسان هو الله وليس كمثله شيء وتعالى عن كل الأجناس. كان يجب على الإنسان أن يقول: مرحبا؛ لأن معرفة الله تحل له اللغز. والرسل إنما جاءوا ليحلوا للإنسان لغزاً يبحث عنه، وكان على الإنسان أن يفرح بمجيء الرسل، وخصوصاً أن الله عز وجل لا يريد خدمة منه، إن الإنسان هو الذي يحتاج لعبادة الله ليسخر له الكائنات، ويعبده ليعزه. إذن فالمؤمن بين أمرين: بين خادم له مسخر وهو من دونه من الجهاد والنبات والحيوان، ومعطٍ متفضلٍ عليه مختارٍ وهو أعلى منه. إنه هو الله.
    فمن يأخذ واحدة ويترك واحدة فقد أخذ الأدنى وترك الأعلى، فيقول له الحق: خذ الأعلى. فإذا كنت سعيداً بعطاء المخلوقات الأدنى منك، وتحب أن تستزيد منها فكيف لا تستزيد ممن هو أعلى منك؟. إنه الله. والحق عندما يقول: "زين للذين كفروا الحياة الدنيا" فهو يريد أن يلفتنا إلى أن مقاييس الكافرين مقاييس هابطة نازلة؛ لأن الذي زين لهم هو الأمر الأدنى. ومن خيبة التقدير أن يأخذ الإنسان الأمر الأدنى ويفضله على الأعلى. وكلمة "زين" عندما تأتي في القرآن تكون مبنية لما لم يسم فاعله مثل قوله تعالى:

    {زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة}
    (من الآية 14 سورة آل عمران)


    هناك "زين للناس" وفي آية البقرة التي نحن بصددها "زين للذين كفروا" لماذا قال الحق هناك: "زين للناس" ولماذا قال هنا: "زين للذين كفروا"؟ لقد قال الحق ذلك لأن الذين كفروا ليس عندهم إلا الحياة الدنيا، فالأعلى لا يؤمنون به، ولكن في مسألة الناس عامة عندما يقول الله عز وجل: "زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير والمقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب" فهو سبحانه يقول للناس: خذوا الحياة على قدرها. وزينت يعني حسنت. فمن الذي حسنها؟ لقد حسنها الله عز وجل. فكيف تنسى الذي حسنها لك، وجعلها جميلة وجعلها تحت تصرفك.
    كان يجب أن تأخذها وسيلة للإيمان بمن رزقك إياها، وكلما ترى شيئا جميلا في الوجود تقول: "سبحانه الله"، وتزداد إيمانا بالله، أما أن تأخذ المسألة وتعزلها عمن خلقها فذلك هو المقياس النازل. أو أن الله سبحانه وتعالى هو الذي زينها بأن جعل في الناس غرائز تميل إلى ما تعطيه هذه الحياة الدنيا، ونقول: هل أعطى سبحانه الغرائز ولم يعط منهجا لتعلية هذه الغرائز؟ لا، لقد أعلى الغرائز وأعطى المنهج لتعلية الغرائز، فلا تأخذ هذه وتترك تلك. ولذلك يقول الحق:

    {والباقيات الصالحات خير}
    (من الآية 46 سورة الكهف)


    والحق عندما يقول: "زين للذين كفروا الحياة الدنيا" فهو يفضح من يعتقدون أنه لا حياة بعد هذه الحياة، ونقول لهم: هذا مقياس نازل، وميزان غير دقيق، ودليل على الحمق؛ لأنكم ذهبتم إلى الأدنى وتركتم الأعلى. ومن العجيب أنكم فعلتم ذلك ثم يكون بينكم وبين من اختار الأعلى هذه المفارقات. أنتم في الأدنى وتسخرون من الذين التفتوا إلى الأعلى، إن الحق يقول: "ويسخرون من الذين آمنوا". لماذا يسخرون منهم. لأن الذين آمنوا ملتزمون، ومادام الإنسان ملتزما فسيعوق نفسه عن حركات الوجود التي تأتيه من غير حل، لكن هؤلاء قد انطلقوا بكل قواهم وملكاتهم إلى ما يزين لهم من الحياة.
    لذلك تجد إنساناً يعيش في مستوى دخله الحلال، ولا يملك إلا حلة واحدة "بدلة"، وإنساناً آخر يسرق غيره، فتجد الثاني الذي يعيش على أموال غيره حسن المظهر والهندام وعندما يلتقي الاثنان تجد الذي ينهب يسخر من الذي يعيش على الحلال، لماذا؟ لأنه يعتبر نفسه في مقياس أعلى منه، يرى نفسه حسن الهندام و"الشياكة" فيحسم الحق هذه المسألة ويقول: "والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة". لماذا يوم القيامة، أليسوا فوقهم الآن؟
    إن الحق سبحانه وتعالى يتحدث عن المنظور المرئي للناس؛ لأنهم لا ينظرون إلى الراحة النفسية وهي انسجام ملكات الإنسان حينما يذهب لينام، ولم يجرب على نفسه سقطة دينية ولا سقطة خلقية، ولا يؤذي أحداً، ولا يرتشي، ولا ينم ولا يغتاب، كيف يكون حاله عندما يستعرض أفعاله يومه قبل نومه؟ لابد أن يكون في سعادة لا تقدر بمال الدنيا. ولذلك لم يدخل الله هذا الإحساس في المقارنة، وإنما أدخل المسألة التي لا يقدر عليها أحد. "والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة". ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى:

    {إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون "29" وإذا مروا بهم يتغامزون "30" وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين "31" وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون "32" وما أرسلوا عليهم حافظين "33"}
    (سورة المطففين)


    ثم يقول الحق بعد ذلك:

    {فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون "34" على الأرائك ينظرون "35" هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون "36" }
    (سورة المطففين)


    أي هل عرفنا أن نجازيهم؟ نقول: نعم يا رب. خصوصا أن ضحك الآخرة ليس بعده بكاء. "والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة" ولنلاحظ أن الحق سبحانه وتعالى خالف الأسلوب في هذه الآية، لقد كان المفروض أن يقول: والذين آمنوا فوقهم. لكنه قال: "والذين اتقوا فوقهم" لأنه قد يؤخذ الإيمان على أنه اسم، فقد شاع عنك أنك مؤمن، فأنت بهذا الوصف لا يكفي لتنال به المرتبة السامية إلا إذا كانت أفعالك تؤدي بك إلى التقوى.
    فلا تقل: " أنا مؤمن" ويقول غيرك: "أنا مؤمن"، ويصبح المؤمنون مليارا من البشر في العالم، نقول لهؤلاء: أنتم لن تأخذوا الإيمان بالاسم وإنما تأخذون الإيمان بالالتزام بمنهج السماء. ولذلك لم يقل الله: "والذين آمنوا فوقهم يوم القيامة" وإنما قال: "والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة" ليعزل الاسم عن الوصف. ويذيل الحق الآية بالقول الكريم: "والله يرزق من يشاء بغير حساب". ما هو الرزق؟ الرزق عند القوم: هو كل ما ينتفع به؛ فكل شيء تنتفع به هو رزق. وطبقا لهذا التعريف فاللصوص يعتبرون الحرام رزقا، ولكنه رزق حرام. والناس يقصرون كلمة الرزق على شيء واحد يشغل بالهم دائما وهو "المال" نقول لهم: لا، إن الرزق هو كل ما ينتفع به، فكل شيء يكون مجاله الانتفاع يدخل في الرزق: علمك رزق، وخلقك رزق، وجاهك رزق، وكل شيء تنتفع به هو رزق. ساعة تقول: إن كل ذلك رزق تأخذ قول الله:

    {فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء }
    (من الآية 71 سورة النحل)


    كأن الله يريد من خلقه استطراق أرزاقهم على غيرهم، وكل إنسان متميز وتزيد عنده حاجة عليه أن يردها على الناس، لكن الناس لا تفهم الرزق إلا على أنه مال، ولا يفهمون أنه يطلق على كل شيء ينتفعون به. إذا كان الأمر كذلك فما معنى "يزرق من يشاء بغير حساب" كلمة "بغير حساب" لابد أن نفهمها على أن الحساب يقتضي محاسب، ومحاسب، ومحاسب عليه. وعلى هذا يكون "بغير حساب" ممن ولمن وفي ماذا؟ إنه رزق بغير حساب من الله؛ فقد يرزقك الله على قدر سعيك. وربما أكثر، وهو يرزق بغير حساب، لأنه لا توجد سلطة أعلى منه تقول له: لماذا أعطيت فلانا أكثر مما يستحق.
    وهو يرزق بغير حساب؛ لأن خزائنه لا تنفد. ويرزق بغير حساب؛ لأنه لا يحكمه قانون، وإنما يعطي بطلاقة القدرة. إنه جل وعلا يعطي للكافر حتى تتعجب أنت وتقول: يعطي الكافر ولا يعطي المؤمن لماذا؟ إذا استطاع أحد أن يحاسبه فليسأله لماذا يفعل ذلك؟ إنه يعطي مقابلا للحسنة سبعمائة ضعف بغير حساب. إن الحساب إنما يأتي عندما تأخذ معدوداً، فإذا أخذت مثلا مائة من ألف فأنت طرحت معدوداً من معدود فلابد أن ينقص، وعندما تراه ينقص فأنت تخاف من العطاء. لكن الله بخلاف ذلك، إنه يعطي معدوداً من غير معدود. إذن ساعة تقرأ "بغير حساب" فقل إن الحساب إن كان واقعا من الله على الغير، فهو لا يعطي على قدر العمل بل يزيد، ولن يحاسب نفسه ولن يحاسبه أحد.

    {ما عندكم ينفد وما عند الله باق}
    (من الآية 96 سورة النحل)


    إذن "يزرق من يشاء بغير حساب" تجعل كل إنسان يلزم أدبه إن رأى غيره قد رزق أكثر منه؛ لأنه لا يعلم حكمة الله فيها. وهناك أناس كثيرون عندما يعطيهم الله نعمة يقولون: "ربنا أكرمنا، وعندما يسلبهم النعمة يقولون: "ربنا أهاننا"، وفي ذلك يقول سبحانه وتعالى:

    {فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن "15" وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن "16"}
    (سورة الفجر)


    كلا. مخطئ أنت يا من اعتبرت النعمة إكراما من الله، وأنت مخطئ أيضاً يا من اعتبرت سلب النعمة إهانة من الله؛ إن النعمة لا تكون إكراما من الله إلا إذا وفقك الله في حسن التصرف في هذه النعمة، وحق النعمة في كل حال يكون بشكر المنعم، وعدم الانشغال بها عمن رزقك إياها. ونحب أن نفهم ـ أيضا ـ أن قول الله سبحانه وتعالى: "والله يرزق من يشاء بغير حساب" ينسحب على معنى آخر، وهو أنه ـ سبحانه ـ لا يحب أن تقدر أنت رزقك بحساب حركة عملك فقط؛ فحساب حركة عملك قد يخطئ. مثال ذلك الفلاح الذي يزرع ويقدر رزقه فيما ينتج من الأرض، وربما جاءت آفة تذهب بكل شيء كما نلاحظ ونشاهد، ويصبح رزق الفلاح في ذلك الوقت من مكان آخر لم يدخل في حسابه أبداً. ولهذا فإن على الإنسان أن يعمل في الأسباب، ولكنه لا يأخذ حسابا من الأسباب، ويظن أن ذلك هو رزقه؛ لأن الرزق قد يأتي من طريق لم يدخل في حسابك ولا في حساباتك، وقال الحق في ذلك:

    {ومن يتق الله يجعل له مخرجا "2" ويرزقه من حيث لا يحتسب}
    (من الآيتين2،3 سورة الطلاق)


    وبعد ذلك يقول لنا الحق سبحانه وتعالى في آية أخرى ما يوضح لنا ويبين قضية العقيدة وموكب الرسالات في الأرض، بداية وتسلسلاً وتتابعاً في رسل متعاقبين،
    فقال الحق سبحانه وتعالى:


    آخر مواضيعي

    رئيس مجلس الأمة الكويتى المنحل: مبروك للمصريين إسقاط الإخوان
    المصريون بفرنسا يفوضون الجيش والشرطة المدنية لمواجهة الإرهاب
    إحباط محاولة تهريب أقمشة تشبه ملابس الجيش والشرطة ببورسعيد
    ضبط كميات من الأدوية المسروقة فى طريقها إلى اعتصام رابعة بسيارة إسعاف
    إخلاء "القائد إبراهيم" بالإسكندرية من مؤيدى المعزول

     
      رد مع اقتباس
    إنشاء موضوع جديد إضافة رد

    مواقع النشر (المفضلة)

    جديد مواضيع قسم قسم القران الكريم


    الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
     
    أدوات الموضوع
    انواع عرض الموضوع

    تعليمات المشاركة
    لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
    لا تستطيع الرد على المواضيع
    لا تستطيع إرفاق ملفات
    لا تستطيع تعديل مشاركاتك

    BB code is متاحة
    كود [IMG] متاحة
    كود HTML معطلة
    Trackbacks are متاحة
    Pingbacks are متاحة
    Refbacks are متاحة


    المواضيع المتشابهه
    الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
    تفسير القرأن الكريم .. عبد الله شحاته amly كتب إسلامية 10 3-02-2015م 06:35 PM
    فن الترتيل وعلومه .. لفضيلة الشيخ / أحمد بن عبد الله الطويل iscandarnia كتب إسلامية 3 7-01-2013م 03:01 AM
    تفسير القرآن الكريم - تفسير الجلالين Bilal قسم القران الكريم 23 4-01-2013م 02:16 PM
    إحصائيات القرآن الكريم(متجدد) هداية الله قسم القران الكريم 10 16-01-2012م 11:54 PM
    6 اسطوانات تفسير القران الكريم للشيخ محمد متولي الشعراوي zaher5555 قسم الصوتيات والمرئيات الإسلامية 1 20-07-2010م 10:07 PM






    ~ جميع آلمشآركآت آلمكتوبهـ تعبّر عن وجهة نظر صآحبهآ ,, ولا تعبّر بأي شكلـ من آلأشكآل عن وجهة نظر إدآرة آلمنتدى ~