المنتدى المتواجدون الآن مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة
العودة   قلعة طرابلس > منتدى إقرأ أونلاين > اقرأ أون لاين لأشهر أدباء العرب والعالم > سالي عادل
التسجيل التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويمالمسابقات اجعل كافة الأقسام مقروءة



إنشاء موضوع جديد إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 4-09-2013م, 11:03 AM   #1
 
الصورة الرمزية بريق
 

بريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond repute

بريق غير متواجد حالياً

1 (42) آلة الأفكار .. سالي عادل .. سلسلة قصص الرعب

آلة الأفكار


(1)


انتهت الفتيات من تزيين المذيع اللامع الذي خرج إلى الجمهور يقول:
"ها هو موعدكم مع برنامجكم الأسبوعي المباشر "فكرة البليون" ومعنا في هذه الحلقة الأديب الشاب أشرف نور ليجلس معنا إلى آلة الأفكار، ويذهب معها إلى حيث تأخذه، فإما يعود لنا بقصة ويدخل إلى نهائيات البليون وإما..".

وأشار المذيع إلى أشرف أن يجلس إلى الآلة وهو يقول:
"أو يُفقد للأبد".

وقفت الكلمة في حلق أشرف، فابتلع ريقه، وخطا إلى المقعد المخصص له، تابع المذيع:
"أنت أديب يا أستاذ أشرف، وتعرف أن هاجس الأدباء الدائم هو فقدان الوحي.. أن تجف الأفكار أو تنفذ من العالم.. كان الأقدمون يعتقدون أن لكل شاعر شيطان يهيم خلف الوحي في الوديان.. أما الآن.. فستمنحك هذه الآلة فرصة استثنائية لأن تحيا حياة غير عادية ستكون هي وحيك، وستكون أنت بطل قصتك قبل أن تكون مؤلفها.. هكذا.. بهذه الآلة نضمن توليد الأفكار بشكل مستمر..

لكن.. لو كنت تظن أن هذه الآلة ستمنحك الفكرة على طبق من فضة ثم نمنحك بعدها فكرة البليون فأنت مخطئ، هذه الآلة ستضعك في أسوأ كوابيسك هنا والآن، دون أن تسافر عبر الزمن أو إلى بلد آخر.. فقط ستفكك جزيئاتك ثم تعيد تكوينها في مكان آخر داخل مصر.. في ظروف شديدة الإثارة كمواقف درامية يحلم أي مؤلف بكتابتها، ووحدك تتاح لك الفرصة، فانجُ بنفسك وتعالَ لتخبرنا عن التفاصيل الشيقة التي عشتها قبل نهاية الأسبوع القادم.

ثمة خبر لا أدري إن كان سيسعدك أم لا، لكن أخبرك أنه طوال هذا الموسم لم ينجُ أحد من الآلة.. وهذا يعني أن فرصتك في الفوز ضئيلة حيث لم ينجُ أحد، وفي نفس الوقت فرصتك كبيرة حيث تقل المنافسة، فلم يعد من متسابقين سواك ومتسابق آخر للحلقة التالية.

نصيحتي لك، صدّق أنك في مأزق، لأن الذي يبدأ في التفكير بأنه واهم وأن الآلة أدخلته في حلم سرعان ما يفيق منه يُفقَد سريعا..

ثم أشار المذيع إلى رجل مهيب ليتقدم:

"أعرفك إلى قارئ الأفكار الذي سيكون وسيلتنا للاطمئنان عليك، فسنعرف من خلاله ما تفكر فيه وما يحدث لك.. وسيروي لنا قصتك حتى تعود وترويها لنا تفصيلا".

جلس قارئ الأفكار النحيل إلى مقعد مقابل لأشرف..
أشار المذيع إلى حارس الآلة أن يدير الزر، فبدأت في الهدير، وبدأ أشرف في التلاشي.. قال قارئ الأفكار:

يشعر أشرف أنه تحت ضغط شديد جدا، يريد أن يتحرك لكنه لا يستطيع، يريد أن يفتح عينيه، فمه، يفشل.. يجاهد ليحرك شيئا أي شيء وبالنهاية ينجح في فتح عينيه فيرى لوحات ضبابية لأشياء تتحرك.. وبإمعان النظر يكتشف أنها أسماك تتحرك.. يكتشف أنه في عمق البحر، يسقط فمه رعبا فيمتلئ بالماء العذب، إذن هو نهر.. لا عدة غوص، لا أنبوب، أكسجين، لا شيء، لا أحد.. يسارع بتحريك يديه وساقيه بشكل هستيري فيجد أنه يصعد، يتابع الصعود حتى يجد سقفا من الماء المشدود، وحين اخترقه برأسه وطل إلى العالم البعيد ضج المكان بالصياح والتصفيق والتهاني.. يستطيع أن يميز من بين الحضور رجلا يرتدي المعطف الأبيض، كل الاهتمام يصب عنده، كل التهاني، المصافحات، المعانقات، تربيت الأيادي والأكتاف كلها عنده.. يبدو أن الحكاية تبدأ من هنا.

يفكر أشرف أن يعوم إلى الشاطئ لكنه إذ يُنظر إلى جسده يكتشف أنه عارٍ تماما.. يمتد إليه خُطّاف يلتقطه من حيرته ويدخله إلى أنبوب عملاق مليء بالماء يفضي به إلى حوض زجاجي ضخم..

ينكمش أشرف في الركن، يدخل العالِم الأبيض وعلى وجهه بشائر السعادة، يُحدّث أشرف عن أشياء مثل النصر العلمي والمجد وخدمة البشرية ويخبره أن يستعد للمؤتمر العلمي، الذي سيعلن فيه نتائجه وستنقله كل تليفزيونات العالم. يفتح أشرف فمه ليتكلم، يعترض، يصرخ لكن لا يخرج منه سوى فقاعات.

في المؤتمر يتحدث العالِم الأبيض:
أظن أنني قدمت أروع كشف للبشرية: الإنسان البرمائي الذي يمكنه أن يعيش على الأرض وفي البحر في نفس الوقت.. لن تعود هناك أزمة إسكان، لا كثافة سكانية، لا تلوث، لا ثروات مُهدرة، أو أماكن مهجورة.. ستقضون عطلاتكم مع أولادكم تحت الماء.. وستزفون العرائس الجدد إلى الكهوف المدهشة تحت البحار..

من المعروف أن الإنسان لا يستطيع البقاء تحت الماء دون تنفس لمدة ثلاث دقائق كاملة، والحالة الوحيدة التي تعدت ثلاث دقائق سُجّلت في موسوعة جينيس كحادثة خارقة إذ تمكنت من البقاء تحت الماء لمدة سبع دقائق.. أما أنا، فصنعت الإنسان الذي يمكنه أن يبقى كيفما شاء..

القاعدة التي عملت عليها استوحيتها من التمساح، حيث يتنفس بالرئة كالإنسان، ونظام نقل الأكسجين من الرئة للأنسجة يماثل النظام البشري بالضبط، وبرغم هذا يستطيع التمساح البقاء تحت الماء ساعة، بينما لا يستطيع الإنسان أكثر من دقائق، وذلك لاختلاف كيفية تفاعل هيمجلوبين كل منهما مع ثاني أكسيد الكربون، فالتمساح أكثر اقتصادا وتوفيرا للأكسجين.

هكذا حصلت على الجين المسئول عن هذه العملية لدى التمساح ومزجتها مع الهيمجلوبين البشري وأطلقت على هذا الهجين لفظة "سكوبا" وهي إشارة إلى أن هذا الكشف بديل مثالي لأنبوب الأكسجين الذي يحمله الغوّاص. من خلال حقن هذا الهجين في دم الإنسان يستطيع البقاء تحت الماء مدة مفتوحة.

رفع بعض الصحفيين أيديهم، أشار الطبيب إلى أحدهم:
- كيف حصلت على متطوعين؟
- أنا أعلنت مرارا عن طلب متطوعين لتجربة علمية رائدة لكن كلما صرّحت للمتطوع بالتفاصيل غادر ولم يعد. حتى تقدمت لي جهة ما بعرض إمدادي بالمتطوعين مقابل مبلغ مادي ضخم، وهكذا تعاقدت معها.

- هل يستطيع هذا الإنسان أن يمارس حياته الطبيعية فوق الأرض؟
- نعم، بالتأكيد، وإن كان أحد أعضاء فريقي البحثي تمكن من تطوير مادة تجعل الإنسان يفقد صفاته الإنسانية ويكتسب كل صفات التمساح وليس التنفس فقط، بل ويفوقه أيضا في القدرة على البقاء تحت الماء وذلك بمجرد نزوله إلى النهر أو البحر بعد حقنه، وهو العمل غير الأخلاقي الذي أرفضه بشدة، ولذلك اعترضت على تطبيق هذه التجارب.

- ولماذا إذن تحتفظ بالرجل في حوض مائي؟
- تغيير الوسط بين الماء والأرض يتسبب في تغيرات وقتية في جسم الإنسان، كما يفقد رواد الفضاء توازنهم في الفضاء وبمجرد العودة إلى الأرض، وهي فترة انتقالية، لذلك نحن نحتفظ بالحالة في حوض زجاجي لكنه مفتوح السقف وبإمكانه الخروج من الماء والتجول في الغرفة متى أراد.

والآن.. أريد من الجميع الهدوء التام، ستشاهدون بأعينكم أكبر سبق علمي لهذا القرن.. ستختبرون بأنفسكم ولمدة نصف ساعة الإنسان التمساح!
حك أشرف ظهره ليُسقِط هذه القشور لكنها لم تتحرك، نظر في الساعة المائية التي ألبسوه إياها.. اندفع في الأنبوب حتى حوافه، وقفز منه إلى النهر.

بدأ العد التصاعدي للحضور، يتقدمهم صوت الطبيب كلما مرّت دقيقة:
بسعادة: 1، 2، 3،..
ببشرى: 8، 9،10،..
بترقب: 19، 20، 21،..
بحشرجة: 30، 31، 32،..

بدأ الحضور يمور، يتحدث سرا، همسا، يصرخ: أين الرجل؟ وحين وصل العد: 50، أفلت أحدهم من مسامير مقعده، وأمسك بتلابيب الطبيب: ماذا فعلت بأخي؟ أيها السفاح أغرقت أخي..

والعالِم الأبيض يحاول التملص، يحاول أن يُفهِمه أن اختفاءه لا يعني بالضرورة موته، أو أن التجربة فشلت، بل قد يكون دليلا على نجاحها واستمتاعه بالحياة تحت الماء.

صاح الأخ: كف عن الخزعبلات يا دكتور، أعد لي أخي.
قال الطبيب إن أخاه بخير لأن المؤشرات تقول هذا، الآلات التي ترصد مكانه وعمقه وكمية الأكسجين ودرجة الحرارة كلها مطمئنـ..

صاحت الممرضة: المؤشرات يا دكتور!
هرع الدكتور إلى الجهاز فوجد أن المؤشرات تعلو إلى أقصى حد..

أمسك قارئ الأفكار رأسه بعنف، وأغمض عينيه لحظة.. فتح عينيه وقال: انخفضت المؤشرات فجأة.. تعلو وتهبط.. أظن الجهاز على وشك الانفجار..
أغمض عينيه بقوة، صَمَت، همّ ليقول شيئا لكنه لم يقل. فقط يردد: غريب.. غريب!

سأله المذيع:
- ما هو الغريب؟
- غريب! غريب!
- أين أشرف؟ ماذا حدث له؟
- فقدت اتصالي به، لا أعرف كيف حدث هذا، أنا أستطيع الاتصال بأي إنسان في أي مكان من العالم.. لا أعرف ماذا حدث لي..

قال المذيع:
نعتذر للسادة المشاهدين عن هذا العطل الفني، ونأمل أن يستطيع أشرف اللحاق بنا قبل انتهاء فرصة تقديم القصص بنهاية الأسبوع القادم، أما بداية الأسبوع فهو موعدنا مع حلقة جديدة من برنامجكم المثير: فكرة البليون.


***


عاد قارئ الأفكار إلى بيته، التف حوله أبناؤه:
- بابا، بابا، أين كنت؟
- كنت في المقهى.
- لكن أخي يقول إنه رآك في التليفزيون.
- أخوك يخدعك.

سألته زوجته:
- هل أنت بخير؟
- لا أعرف ما حدث لي اليوم، لكنه كان رهيبا.
- هذا العمل يرهقك إلى أقصى حد، يجب أن تبحث عن عمل آخر.
- نعم، صحيح، لكنك لا تعرفين كيف أستمتع به، يتيح لي فرصة لا تُعوّض لإشباع هواياتي.
- تقصد موهبتك في قراءة الأفكار؟
- هذه إحداها.

***


يُتبع




آخر مواضيعي

 
التوقيع:


  رد مع اقتباس
قديم 4-09-2013م, 11:22 AM   #2
افتراضي

جميل جدا
متشوقةلأعرف التكملةوما حدث لأشرف
شكرا لك اسامة

آخر مواضيعي

 
التوقيع:

الوفاء عملة نادرة والقلوب هي المصارف
وقليلة هي المصارف التي تتعامل
بهذا النوع من العملات

  رد مع اقتباس
قديم 4-09-2013م, 11:22 AM   #3
افتراضي

جميل جدا
متشوقةلأعرف التكملةوما حدث لأشرف
شكرا لك اسامة

آخر مواضيعي

 
  رد مع اقتباس
قديم 24-09-2013م, 10:38 AM   #4
 
الصورة الرمزية بريق
 

بريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond repute

بريق غير متواجد حالياً

افتراضي

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عبير ملاط مشاهدة المشاركة
جميل جدا
متشوقةلأعرف التكملةوما حدث لأشرف
شكرا لك اسامة
أهلا بك أختي عبير نورتي

آخر مواضيعي

 
  رد مع اقتباس
قديم 24-09-2013م, 10:40 AM   #5
 
الصورة الرمزية بريق
 

بريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond reputeبريق has a reputation beyond repute

بريق غير متواجد حالياً

افتراضي

آلة الأفكار (2)






قال المذيع:
هذه الحلقة ستكون أكثر إثارة مما تتوقعون.. فبرغم أننا فقدنا في الحلقة السابقة التي استمرت على مدار يومين الكاتب أشرف نور، إلا أن معنا اليوم أخاه الأديب ماهر نور.. وبإمكاننا أن نذكركم أن برنامجنا "فكرة البليون" يُذاع على الهواء مباشرة طوال فترة التجربة، وتنتهي الحلقة بعودة المتسابق أو فقدانه أو انتهاء الأسبوع.

وجّه المذيع حديثه لماهر:
من المعروف يا أستاذ ماهر أن تيمات الكتابة في مجال ما محدودة، وأن هذا يجعل من التناص أو الاقتباس أو حتى السرقة الأدبية أمر وارد، ويمكن وضعه بسهولة تحت خانة "توارد الأفكار"، حتى إن بعض الكتّاب يسرقون من أنفسهم بتكرار قصصهم.. هذا لأن البشر قد يفكرون في الشيء ذاته في نفس الوقت، وقد يجف إبداعهم، وقد يسرقون، لكن هل تظن أن الآلات يمكنها تكرار أنفسها أو سرقة الآلات الأخرى؟

لم يكن سؤالا حقيقيا، وإنما افتخارا بآلته، لذلك لم يمنحه فرصة للإجابة وحوّل الحديث إلى شيء آخر:
- المهم، هل من أخبار عن أشرف؟
- مع الأسف حتى الآن لم يعد للمنزل ولا نعرف عنه شيئا.

- أخبرنا قارئ الأفكار أنك كنت موجودا في المؤتمر العلمي، فكيف علمت عنه؟
- قرأت عن المؤتمر في دوريات علمية، غير أنني لم أعره اهتماما، حتى شاهدت حلقة أخي فعدت فورا إلى خبر المؤتمر وذهبت إلى العنوان المذكور فيه.

- ما هو شعورك تجاه فقد منافسك الأخير على البليون؟
- لن أسعد بكسب بليون وفقد أخي.
- وبعدما حدث لأخيك، هل أنت مستعد لخوض التجربة اليوم؟
نظر ماهر إلى العملات الورقية المرصوصة كورق حائط على الجدران وقال:
نعم.

تقدم قارئ الأفكار، وضغط حارس الآلة زر البدء.
بدأ ماهر في التلاشي، والتكوّن في نهر جارٍ، وجد نفسه يعوم ويعوم، السماء ممطرة والريح تدفع الماء على سطح النهر، لا يرى شواطئ، لا يعرف كيف يمكن أن ينجو.. وحين شاهد القارب البعيد كان كمن رأى كنزا.. سريعا سبح إليه، تعلقت ذراعاه به وتنفس الصعداء، اعتلى القارب وجلس يلتقط أنفاسه، كتم صرخة إذ ينظر إلى جثة فتاة في دمائها على سطح القارب.. نظر إلى السكّين في حذر، لن يمسّه كالخطأ الشائع لدى كل بريئي السينما..

من بعيد لمح قاربا يقترب.. لا يدري ماذا يفعل، هل يطلب من القارب أن يأخذه في طريقه؟ أو يقفز في عرض الماء كي لا يراه من بالقارب؟ اتخذ القرار بأن يقفز وإذ يهم بالقفز وجد سطحا متحجرا يرتفع برفق فوق سطح الماء، ويتوجه إليه، شعر بالرعب، تسمر في مكانه.. أفصح الكائن عن وجهه، وإذ ينظر في عينيّ التمساح الدامعتين.. شعر كأنه يعرفه..

ظهر الانفعال على وجه قارئ الأفكار إذ يحكي:
نظر أعمق، همس بصوت باكٍ: أخي؟

يقترب التمساح، وعلى الجانب الآخر يقترب القارب الذي وقف من عليه شاهرين مسدساتهم، قائلين بأعلى صوت: قف مكانك، لا تتحرك.

خلال لحظات صعد الضباط إلى القارب، أخبرهم أنه لم يقتل، أنه كان غريقا ووجد قاربا فصعد إليه، صرخ: أنا بريء! أقسم بالأيمان، لعن البرنامج.. استشهد بأخيه.. لكنهم كانوا مُصرّين كالأطفال: هذا القتيل، وهذا السلاح، وهذا القاتل.

في القسم، كلما ذكر حرفا عن البرنامج أو آلة الأفكار أو أخيه التمساح حصل على صفعة على قفاه.

أغمض قارئ الأفكار عينيه وحكّ أنفه:
في هذه اللحظة يفكر ماهر أنه بالرغم من أنه حقن أخاه بالجرعة التي اخترعها لتحويله إلى تمساح، وبالرغم من خداعه للبرنامج بشأن زيارته للمؤتمر، لأنه ليس محض زائر وإنما أحد الأطباء المشاركين في التجربة.. لكنه لا يرى النجاة إلاّ في شهادة أخيه، هو الشاهد الوحيد على الحادث.. طوال عمريهما كانا متنافسين، وكان أخوه يحقق النجاح تلو النجاح، يكتب القصص فتكسب المسابقات، أما هو فيكتب القصص فيسخر الأطفال.. وبرغم حقده عليه يعلم أن أخاه لم يضمر له شرّا، وأنه لو احتاجه سيساعده.

ماهر ضحّى بفأر تجاربه الذي كان سيحقق له النجاح العلمي لو نجحت التجربة، وغامر بمنحه مصل التمساح كي يتخلص منه، ويتحقق له النصر الأدبي، أما أن يفقد هذا وذاك فهذا فوق الاحتمال، لذلك من الضروري أن يعيده بشريا حتى يحصل على براءته، وعلى نصره العلمي معا، حتى وإن ربح أخوه البليون، فهو سيبقى تحت سيطرته كأي فأر تجارب مطيع. والآن عليه إعطائه المصل المضاد ليعود فيشهد ببراءته.

هكذا طلب أن يحصل على زيارة العالِم الأبيض، وأخبره عن مكان القارب في النهر وطلب منه اصطياد التمساح الذي يحمل ملامح أخيه، ومن ثم إعطائه المصل المضاد؛ هكذا يحتفظ الطبيب بكشفه العلمي ويحقق نجاحه، ويحصل ماهر على براءته.

وتحقق له ما أراد، فأشرف أوفى لأخيه وشهد ببراءته، ودل على صفات القاتل ومكان رؤيته على الميناء، وما أن تأكدت الشرطة حتى برأت ماهر.

في المنزل احتفل ماهر وأشرف بنجاتهما، اعترفا بأن أموال العالم لا تغني أحدهما عن الآخر، قررا ألا يعودا ثانية إلى هذا البرنامج الشيطاني، حين فكرا من قدّم أشرف كمتطوع للتجربة! من أبلغ الشرطة عن حادثة الفتاة! وجدا أنه ما من مصلحة لأحد إلا البرنامج، ليضفي إثارة على حلقاته، ثم يفقد متسابقيه ويحتفظ بالبليون.

تعاهدا أن يحافظ أحدهما على الآخر، والتفّت أذرعهما لاحتضان بعضهما..
اتسعت عينا قارئ الأفكار وسقط فوه إذ يقول:
بينما يد ماهر تغرس المحقن في جسد أشرف.

سحبه تمساحا مُخدّرا، وقذف به في النهر.
تصايح الجمهور في استنكار.. قال قارئ الأفكار: ها هو في طريقه إلى هنا.. يفكّر أي كذبة سيقولها..
وعندما دخل ماهر إلى القاعة ثار الجمهور: القاتل، الساحر، الملعون! وبدأ المذيع في تهدئتهم وطمأنتهم أن البرنامج لن يسمح للسفاحين والمحتالين أن ينالوا جائزته.

ارتسمت البلاهة على وجه ماهر:
ماذا تقول؟ أنا نجوت من المأزق الذي وضعتموني فيه، وأستحق البليون.
رفع أوراقا في وجهه:
هاكم القصة!

نظر إليه قارئ الأفكار بعنف:
ألن تكف عن ادّعاء البلاهة؟ أوصلت بك الجرأة لأن تفعل كل هذا وأنت تعرف أنك مُراقَب، وأني أنقل حتى زفيرك إلى الجمهور؟

شَدَهَ ماهر إلى قارئ الأفكار وهو يتكلم، تابع كلامه:
أنا رأيتك بعيني وأنت تحقن أخاك فيتحول إلى تمساح ثم تلقي به في النهر، سمعتك وأنت تقول إنك فعلت هذا سابقا لتتخلص من منافسته.. ألم تفعل؟ اعترف أنك فعلت.

جلس ماهر ببطء:
أعترف، فعلت.

قال المذيع:
هكذا تُحجب الجائزة.
***

في منزل قارئ الأفكار استقبلته زوجته بحفاوة:
- كم كنتَ رائعا! وكم أعجبتني القصة! كم كان سيحزنني أن يمنحوا هذا المجرم البليون!
- مسكين هذا الرجل!
- أمن يتخلص من أخيه ويحوله لسمكة يرمي بها في البحر مسكين؟
- ومن قال إنه فعل؟
- ألم تقرأ هذه الأفكار؟
- أنا أخبرتك من قبل أن هذا العمل ما هو إلا وسيلة لإشباع هوايتي.
- أي هواية؟
- الكذب.
***

- بابا، بابا، أين كنت؟
- كنت في المقهى.
***

أغمض قارئ الأفكار عينيه وحكّ أنفه:
في هذه اللحظة يفكر ماهر أنه بالرغم من أنه حقن أخاه بالجرعة التي اخترعها لتحويله إلى تمساح، وبالرغم من خداعه للبرنامج بشأن زيارته للمؤتمر لأنه ليس محض زائر وإنما أحد الأطباء المشاركين في التجربة.. لكنه لا يرى النجاة إلاّ في شهادة أخيه.
***

"ياللجنون!"
هتفت زوجته.

- أتكذب أيضا في هذه الأشياء؟! في أوراح ومصائر الناس؟! ألا يكفي أننا نتحمل كذبك ليل نهار؟! لكن ما ذنب الناس أن تغتني وتفتقر وتحيا وتموت بكذبك؟
- ذنبهم أنهم عديمو الموهبة، أيّ من هؤلاء يستحق البليون لأجل قصة.. من منهم يملك سرعة بديهتي وقدرتي على توليد حكايات وأحداث وحبكات في ثانية وإقناع الآخرين بها..

هل شككتِ لحظة أن ماهر انتهازي وخائن ولا يتردد في أن يبيع أخاه لأجل النقود؟ هل شككتِ أن أشرف وفيّ ومتسامح وكريم الأصل؟ هل رأيتِ آخر يمكنه إقناعك أن الملاك شيطان، وأن قابيل هابيل؟

نعم.. أنا الوحيد الذي يمكنه هذا، وأشرف الذي تظنينه ملاكا هو أكثر شرّا من الشيطان، شر أشرف دفعه إلى أن يخرج من حوضه ويحقن نفسه بالمادة التي اخترعها أحد علماء فريق العمل ليتحول إلى تمساح بمجرد نزوله النهر.. أضخم الزواحف، أشرسها، التمساح الذي يصطاد الرجال: يُغرقهم، يشطرهم، يقطّعهم، يأكلهم.. التمساح الذي عبده المصريون القدماء.. القوة الغاشمة أعمت أشرف حتى عن لمعان النقود.. ولأنه الأشر قرر أن يكون أخاه أول ضحاياه ويقطع عليه طريق البليون ويقطع عنه الحياة ذاتها، لأن الحقيقة أن الفاشل الحاقد على أخيه هو أشرف.
لذلك لمّا صعد ماهر إلى سطح القارب ورأى الجثة، وشعر بأخيه يقترب في شكل تمساح راسما في عينيه دموع التماسيح، همّ أن ينزل إليه، ولولا أن جاءت الشرطة لكان أشرف نال ماهر ومزّقه.

وبتفتيش بسيط من قِبَل الشرطة تم اكتشاف جواب انتحار داخل القارب ونال ماهر البراءة، وبرغم خلو الساحة له للحصول على البليون لكنه صمم على اصطياد أخيه ومنحه المصل المضاد ليعود بشريا، لكن أشرف للمرة الثانية أضمر مهاجمة أخيه وكاد أن يفتك به لولا أن أصابه الضباط بالرصاص فنزل إلى أسفل الماء وغاب.

ألا ترين؟ لو أنصفوا لمنحوني البليون!
شعرت الزوجة بالدوار:
- ولماذا لم تقل الحقيقة؟
- كل الأمر يا عزيزتي هو الإثارة.. قصة أشرف كانت مثيرة كفاية فلم أجهد نفسي في ابتكار الأحداث، ولم أتدخل بها أبدا، حتى أني اندهشت جدا لمّا انقطع اتصالي به، لكني أدركت بعدها أنه لم يعد بشريا كي أتواصل معه، بينما قصة ماهر تقليدية جدا: فتى بريء تورط في جريمة قتل وبعد دقيقة وجد دليل البراءة في شكل جواب انتحار.. هكذا حسي الأدبي دفعني إلى تخيل أحداث مثيـ..

قاطعته الزوجة:
- مهلا، ولكن.. اعترف بنفسه، ماهر اعترف أنه حقن أخاه.
ضحك قارئ الأفكار وقال:
- الموقف حفّزني لاستخراج طاقاتي لحل المشكلة، وبالفعل قليلا من التنويم المغناطيسي أدّى الغرض.

قالت الزوجة بمكر:
- أنت تفعل كل هذا؟
قال بكبرياء:
- أنا أستطيع أن أفعل أي شيء بالعالم ما إن أجلس إلى آلة الأفكار، أستطيع إقناعك أن روايتي لقصتيهما صادقة، وأستطيع إقناعك أني كذبت، وأستطيع إقناعك أني كذبت حتى حين أخبرتك أني كذبت.. أستطيع تنويم المتسابقين والمذيع والحضور مغناطيسيا وتسريب أفكاري إليهم، أستطيع محو أفكارهم، أستطيع أن أقنعك أن كل ما رأيتِه اليوم على شاشة التليفزيون وهم، وأنني أنا آلة الأفكار التي توحي وتُجدِب، تمنح وتمنع، أستطيع أن أُربِح من أريد البليون أو أمنعها عمّن أريد..
تنفس بعمق:
- والآن دعيني أجهز الأفكار والمكائد والثغرات والورطات والمخارج للموسم التالي من البرنامج.

(تمت)

خلع خوذة الأفكار، هتف الأديب: رائعة!
أخيرا تمكنت من كتابة قصتي التاريخية التي أحلم بها منذ زمن طويل كان فيه آلة الأفكار بحجم الغرفة، تُرى من كان ليصدق حينها أن تصبح آلة الأفكار مجرد خوذة؟



آخر مواضيعي

 
  رد مع اقتباس
إنشاء موضوع جديد إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

جديد مواضيع قسم سالي عادل


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
زوج بني .. سالي عادل بريق سالي عادل 2 31-07-2013م 11:29 AM
رموشها الساحرة .. سلسلة قصص الرعب سالي عادل بريق سالي عادل 6 10-07-2013م 11:48 AM
بيت الرعب .. سلسلة الستار الأسود 44 بريق قصص وروايات 7 21-06-2013م 01:34 AM
فرار يهوذا .. سلسلة قصص الرعب بقلم سالي عادل بريق سالي عادل 2 18-06-2013م 05:46 PM





RSS RSS 2.0 XML MAP HTML

~ جميع آلمشآركآت آلمكتوبهـ تعبّر عن وجهة نظر صآحبهآ ,, ولا تعبّر بأي شكلـ من آلأشكآل عن وجهة نظر إدآرة آلمنتدى ~